ثمّ إن عرف أنّ قدرته منتفية في قدرة اللَّه ولم ير قدرة لغير اللَّه لا لنفسه ولا لغيره فهو مقام التوكَّل - ومن يتوكَّل على اللَّه فهو حسبه .
ثمّ إن وفق مع ذلك أن ينفي علمه أيضا في علم اللَّه لئلا يكون بنفسه شيئا فهذا مقام الوحدة ( التوحيد - خ ل ) أولئك الَّذين أنعم اللَّه عليهم .
فإن اتبع إرادة نفسه وعمل في حركاته وسكناته بهواه ، والحقّ لا يتبع بهوى غيره ، فيخالف هواه مع هوى الحقّ فيكون هوى الحقّ ولا يكون هواه وحيل بينهم وبين ما يشتهون ، إلى أن يوصله الهوى إلى الهاوية ويقيده بالأغلال والسّلاسل في جميع مراداته وهذا شأن المماليك بالنسبة إلى مراداتهم ولذلك سمى خازن جهنم مالكا .
وإن تخلَّف عن التوكَّل يقع في الخذلان ، وإن تخلَّف عن جليل مرتبة التوحيد ( الوحدة - خ ل ) ردّ إلى سفلى الدركات وهي دركة اللَّعنة أولئك يلعنهم اللَّه ويلعنهم اللاعنون ، - إلى أن قال قدّس سرّه : ولا يذهب عليك أنّ ما ذكرنا من العوالم إنّما هي داخل هذا العالم وليس خارجا عنه بمعنى أنّ هذا العالم حالة وكيفية للموجودات في حدّ ومرتبة من الوجود وعالم المثال حالة وكيفية أخرى ألطف من هذه الكيفيات في باطن هذا العالم وليس خارجا منه فمن كان له نور لعينه الحسيّة واجتمع بنور الشمس أو القمر الحسيّين يرى العالم الحسّى بكيفيات حسيّة وصور حسيّة ومن كان لعينيه المثاليّة نور مثالي واجتمع نوره بنور الكواكب المثاليّة يرى مثال هذا العالم بكيفيّات مثاليّة وصور مثالية فإنّ كيفيات العوالم وصورها مختلفة كل بحسبها ومناسبتها وهكذا .
ويكشف عن هذا الاختلاف الرؤيا وتعبيرها بما يرى واقعة مطابقا لصورتها المثالية يرى النائم اللبن ويفسّره المعبّر بالعلم ويقع في الواقع ما يرى على وفق التعبير .
ويكشف عن ذلك أيضا الأخبار الكثيرة الواردة في أحوال البرزخ والقيامة وتجسيم الأعمال بما يناسبها من الصور ، فحصل من جميع ما قلنا أنّ الموجود
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 293
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٩٣