الحقّ الواقعي إنّما هو الذات جلّ جلاله في عالمها وسائر العوالم انما هو شأن من شؤون وتجلي من تجلياتها مثلا تجلى بالتجلي الأوّل فوجد منه العالم العقلي ثمّ تجلَّى ثانيا فظهر العالم النفسي ، وهكذا إلى أن خلق هذا العالم الحسّى ففي الخارج موجود حقيقي حقّ ثابت وشئونه فكل شأن من شؤونه عبارة عن عالم من العوالم تامّ في مرتبته ولكلّ عالم آثار وصفات حتّى ينتهى إلى أحسن العوالم وأكثفها وأضيقها وهو هذا العالم المحسوس وهذا العالم كيفية خاصة وصور وحدود شتّى لازم لهذه المرتبة من الوجود ، ووجوده وآثاره مخصوصة بعالمها وهكذا .
وعالم الرؤياء إنّما هو من عالم المثال فكلما يرى فيها فهو من هذا العالم أرضها وسماؤها وجمادها ونباتها بل وصور المرايا أيضا منه والصور الخيالية أيضا منه وهذا العالم عالم واسع بل عوالم كثيرة بل قيل إنّ في عالم المثال ثمانية عشر ألف عالم .
وحكي عن بعض العرفاء أنّ كلما ورد في الشّرع ممّا ظاهره مجاز في عالمنا فقد وجدناه في بعض هذه العوالم حقيقة من غير تجوز - فكما أن كلَّما يراه النائم في الرؤيا إنّما هو حال وكيف مثالي يظهر لنفسه في عالم المثال فكذلك ما يراه اليقظان في عالمنا هذا الحسّى حال وكيف حسّى يظهر لنفسه في عالم الحس - إلى أن قال رضوان اللَّه عليه : والإدراك لا يمكن إلَّا بنيل المدرك لذات المدرك وذلك إما بخروجه من ذاته إلى أن يصل إليه أو بادخاله إيّاه في ذاته وكلاهما محال إلَّا أن يتّحد معه ويتصوّر بصورته فالذات العالمة ليست بذاتها بعينها هي الذات الجاهلة ، فالعلم بالأجسام لا يتعلق بوجوداتها الخارجية لأنّ صورها بما هي هي ليست حاصلة بهذا النحو من الحصول الاتّحادى إلَّا لموادها وليست حاصلة لأنفسها وحصولها لموادها ليس بنحو العلمي إذ هي أمر عدمىّ ليست إلَّا جهة القوّة في الوجودات فليس لها في أنفسها ذات يصحّ أن يدرك شيئا ويعلمه وإذا لم يكن الصور الخارجية للأجسام ممّا يصحّ أن يحصل لها شيء الحصول المعتبر في العلم ولا هي حاصلة لما
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 294
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٩٤