فمن كان منهم مع ذلك مؤمنا باللَّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ولكن بايمان مستقر غير زائل عند الموت لضعفه وقلة نوره وشدّة ظلمة المعاصي وخلط مع ذلك عملا صالحا وآخر سيئا أولئك ممّن يرجى له المغفرة ولو بعد حين .
وأما الطائفة الأولى فهم الأشقياء الكافرون ليس لهم في الآخرة إلَّا النار لأنهم من أهل السجين ويوم القيامة إذا ميّزت الحقائق والتحقت الفروع بالأصول التحق ما في هذا العالم من النور إلى عوالمه وبقى ظلمتها ونارها وتبدّلت صور كل واحد من الأفعال والأخلاق بما يناسب عالم القيامة من الحيات والعقارب وعذب بها فاعلها ومختلقها ، ومن كان يريد الدّنيا وزينتها نوفّ إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك ليس لهم في الآخرة إلَّا النار .
ولو فرض لهم عمل خير يوفّ إليهم في حياتهم الدنيا أو ينقص بقدره من عذابهم في الآخرة وبالجملة أنّ الإنسان لما خلق ابتداء من هذه الأرض فإن بقي فيها بعد ما خلق فيه الروح والعقل واستأنس بها وألف لذاتها كان ممّن أخلد إلى الأرض فيوم القيامة ملتحق بالسجّين .
وإن خلص منها بعد ذلك بمعنى أن تحقّق باثار العقل والروح وصار جسدا عقلانيا ، وهيكلا نورانيا فيوم القيامة يرتقى إلى أعلى عليّين ، وبعبارة وضحى خلق اللَّه الإنسان في أوّل ما خلق من سلالة من طين ، وبقي مدة في صورة السلالة والنطفة والعلقة والمضغة والعظم واللحم ، ثمّ أعطاه الحياة وبقي حيّا إلى أن وهبه قوّة الحركة والبطش ، وبقي على ذلك حتّى وهبه قوّة التميّز بين النافع والضار فأراد النافع وكره الضار فإن اتبع إرادته لإرادة اللَّه جلّ جلاله في جميع حركاته وسكناته ولم يبق له إرادة مخالفة لإرادته تعالى فهذا مقام الرضا وهذا الشخص دائما يكون في الجنّة ولهم فيها ما يشاؤن ولذلك كان اسم خازن الجنّة الرضوان .
وفي حديث المعراج انّ اللَّه قال : فمن عمل برضاي ألزمته ( الزمه - خ ل ) ثلاث خصال : أعرفه شكرا لا يخالطه جهل ، وذكرا لا يخالطه النسيان ، ومحبة لا يؤثر على محبّتى محبّة المخلوقين .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 292
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٩٢