واعلم أنّ هذا العالم الحسى هو عالم الموت والفناء والفقد والظلمة والجهل وهو ذات مادة وصورة سائلتين زائلتين دائم التغير والانقسام ولا شعور له ولا إشعار إلَّا بتبعية العالمين الآخرين وإنّما ظهوره للحسّ بتوسط الأعراض من حيث وحدته الإتصاليّة أمّا من حيث كثرته المقدارية المتجزّية عند فرض القسمة فكل واحد من الأجزاء معدوم عن الاخر ومفقود عنه فالكلّ غائب عن الكلّ ومعدوم عنه وذلك من جهة أنّ المادّة مصحوبة بالعدم بل هو جوهر مظلم وأوّل ما ظهر من الظلام .
ولأنّها في ذاتها بالقوّة وبما لها في أصلها من عالم النور تقبل الصور النورية وتذهب ظلماتها بنور صورها فهذه النشأة اختلط نورها بظلامها وضعف وجودها وظهورها ولضعفها احتاجت إلى مهد المكان وظئر الزمان وأهلها المخصوصون بها أشقياء الجن والإنس والحيوان والنبات والجماد ، وفي الحديث القدسي : ما نظرت إلى الأجسام منذ خلقتها ، وهم الَّذين علومهم مختصّة بهذا العالم ويعلمون ظاهرا من الحياة الدّنيا وهم عن الآخرة غافلون ، ولم يتجاوز علمهم عن المحسوسات ولم يعرفوا من العوالم العالية إلَّا الأسماء ، وكلما سمعوا حكاية منها قدروا له لوازم عالمهم وأنكروا ما يقال لهم من لوازم غير عالمهم .
وبالجملة مرعيهم ومأنسهم ووطنهم هذا العالم المحسوس وملاذهم ومقاصدهم كلَّها من مألوفات هذا العالم وهم الَّذين قلنا إنّهم من الَّذين أخلدوا إلى الأرض وهم يعتقدون أنّ أنفسهم هو هذا البدن وأرواحهم هي الروح الحيواني ، وأنّ الجماد كلَّها موجودات متأصّلة متحقّقة وجواهر قائمة بذواتها مخلوقة في عالمها وحيّزها ، وأنّ موجودات العوالم الاخر على القول بها موجودات اعتبارية خياليّة لا حقيقة لها وأنّ اللَّذة إنّما هي في المأكل والمشرب والمنكح وجاه هذا العالم ، وذكرهم وفكرهم وخيالهم وآمالهم وعلومهم كلَّها متعلَّقة بالمحسوسات وانسهم بها يحبّونها ويستأنسون بها ، ويشتاقون لما لم يصلوا إليه من زخارفها وحلوها وخضرتها بل يعشقونها وشغفهم حبّها كالعاشق المستهتر .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 291
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٩١