عالميه الآخرين أنكره ، بل لو أخبره أحد بصفات عالمه العقلي لكفّره ، وذلك لأنّ عالمه الطبيعي له بالفعل وعالميه الآخرين بالقوّة ، ولم ينكشف له بالكشف التام إلَّا عالم الطبيعة ، وآثار من عالم المثال ، وشئ قليل من عالمه العقلي .
وانسانيته انما بعالمه العقلي وإلَّا فهو مشترك مع سائر بني جنسه من الحيوان في عالميه الآخرين ، وإن كان عالماه الآخران أيضا من جهة المرتبة أشرف من عالمي سائر الحيوانات .
وبهذه العوالم الثلاثة وترتيبها وقع التلويح بل التصريح في دعاء سجدة ليلة النصف من شعبان عن النّبي صلى اللَّه عليه وآله حيث قال فيها : وسجد لك سوادي وخيالي وبياضي .
وبالجملة فعالمه الحسّى عبارة عن بدنه الَّذي له مادّة وصورة ، وعالمه المثالي عبارة عن عالمه الَّذي حقائقه صور عارية عن المواد ، وعالمه العقلي عبارة عن عالمه الَّذي هو حقيقته ونفسه بلا مادّة ولا صورة .
ولكلّ من هذه العوالم لوازم وآثار خاصّة لازمة لفعليّتها ، فمن انغمر في عالم الطبيعة وتحقّقت بآثارها وتحرّكت بحكمها وضعفت فيه آثار عالمه العقلي فقد أخلد إلى الأرض وصار موجودا بما هو حيوان بل أضلّ من الحيوان كما هو الصريح في قوله تعالى : * ( إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ) * ، ومن ترقّى إلى العالم العقلي وغلب آثاره على آثار عالميه الطبيعي والخيالي وكان الحاكم في مملكة وجوده العقل يصير موجودا روحانيا حتّى يتكامل في العقلانيّة وانكشف له حقيقته ونفسه وروحه فإذا ترتفع عنه الحجب الظلمانية بل النورانيّة أو غالبها بينه وبين معرفة اللَّه جلّ جلاله ويتحقّق في حقّه قوله صلى اللَّه عليه وآله : من عرف نفسه فقد عرف ربّه .
وإذا تمهّد لك هذه الإجماليات فراجع إلى تفصيل لوازم كل عالم من العوالم واشتغل بتدبير السفر وتوكَّل على الرب الرّحيم واستعن منه وتوسّل بأوليائه في كلّ جزئي وكلي من شئونك :
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 290
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٩٠