وأوضاع الكواكب وأمثالها ، وكلّ ذلك علل يحتجب أهل العادات عن اللَّه تعالى وتوحيده .
وأما العرفاء الموحّدون فهم يعرفون هذه العلل ويسقطون الحدث ويسلكون سبيل علم القدم بإسقاط الحدث فلا يرون إلَّا سابقة حكم الأزل فيكونون مع الحقّ في جريان الأحول ويشهدون تصريفاته للأشياء بفعله على مقتضى حكمه وتقديره وحكمته الأزليّة وقدرته وإرادته الأوليّة فيشاهدون الحقّ وأسماءه وصفاته لا غير .
هذا توحيد الخاصّة أي المتوسطين الَّذي يصحّ بعلم الفناء لا بنفس الفناء الآتي بعده فإنّ علم الفناء يحصل بالفناء في حضرة الصفات والأسماء أي الحضرة الواحديّة قبل الفناء في الذات الأحديّة الَّتي هي عين الجمع ويصفو بعلم الجمع لا بعين الجمع واضمحلال الرسوم بل قبله عند فناء علمه في علم الحقّ ويجذب إلى توحيد أرباب الجمع الَّذي يأتي في قوله .
( م ) وأما التوحيد الثالث فهو توحيد اختصّه اللَّه لنفسه واستحقّه بقدره وألاح منه لائحا إلى أسرار طائفة من صفوته ، وأخرسهم من نعته وأعجزهم عن بثّه .
( ش ) اختصّه اللَّه لنفسه أي استأثره اللَّه به ليس لغيره منه نصيب ولا فيه قدم لأنّه إنّما يتحقّق بفناء الحقّ كلَّهم وبقاء الحقّ وحده فلا يمكن لغيره عنه عبارة ولا إليه إشارة ولا شيء من أحكام الخلق وأوصافهم يصل إليه لحصوله بفنائهم واستحقّه بقدره أي لا يستحقّه بمقدار كنهه وحقيقته إلَّا هو ولا يبلغه غيره وما قدروا اللَّه حقّ قدره ، وألاح منه لائحا إلى أسرار طائفة من صفوته حال البقاء بعد الفناء في عين الجمع لأنّهم حال الفناء قد استغرقوا فيه فانين عن أسرارهم غائبين عنها ، وفي حال البقاء ردّوا إلى الخلق باقين به فعرفوا أنّ الحضرة الأحديّة لا نعت لها وكلّ ما ينعت به فهو من الحضرة الواحديّة فأخرسهم اللَّه عن نعته لا بمعنى أنهم يعرفون نعته فمنعهم عن التكلَّم به بل لأنّهم عرفوا أنّ حضرة النعوت تحت مقام الجمع فهو كقوله : شعر : على لا حب لا يهتدى بمناره ، وكذا معنى قوله :
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 254
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٥٤