الحقّ إنما لا يدرك لشدّته وقوّة نوريّته كما قيل ، شعر :
خفىّ لإفراط الظهور تعرّضت
لإدراكه أبصار قوم أخافش
« ولا في التوكَّل سببا » أي وأن لا تشهد في التوكَّل سببا لقوّة يقينك في أن لا مؤثّر إلَّا اللَّه ورؤيتك الأفعال كلَّها منه فيتلاشى الأسباب في المسبّب في شهودك لشهودك التّأثير منه دون السبب « ولا للنّجاة وسيلة » أي وأن لا تشهد للنّجاة من العذاب والعقوبة والطرد وسيلة من الأعمال الصالحة والحسنات .
( م ) فتكون مشاهدا سبق الحقّ بحكمه وعلمه ووضعه الأشياء مواضعها وتعليقه إيّاها بأحايينها ، وإخفائه إيّاها في رسومها وتحقّق معرفة العلل وتسلك سبيل إسقاط الحدث هذا توحيد الخاصّة الَّذي يصحّ بعلم الفناء ويصفو في علم الجمع ويجذب إلى توحيد أرباب الجمع .
( ش ) أي فتكون أنت مشاهدا أنّ الحقّ سبق بحكمه على الأشياء بما هي عليه في الأزل فلا تكون إلَّا كما حكم به ، وكذا سبق بعلمه وتقديره الأشياء على ما هي عليه ، وحكمه تعالى على الأشياء تابع لعلمه فتكون الأشياء على مقتضى سابق علمه وقضائه ، « ووضعه الأشياء مواضعها » أي وتكون مشاهدا لوضع الحقّ تعالى كلّ شيء في موضعه بتقديره وحكمته في الأزل ، وكذا تشاهد « تعليقه إيّاها بأحايينها » فلا تقع إلَّا في الوقت الَّذي قدر وقوعها فيه ، « واخفائه إيّاها في رسومها » أي وتكون مشاهدا سبق الحقّ بإخفائه الأشياء في رسومها عن أعين المحجوبين فإنّهم لا يرون أنّها بفعل الحقّ وحكمه وتقديره في القضاء السابق جارية على مجراها فينسبونها إلى أسبابها ومقتضيات رسومها الخلقيّة وطبائعها وأوقاتها ، فيجعلون لكلّ تغيّر حال من أحوالها سببا ، ويحتجبون بها عن التصرّف الالهىّ والتقدير الأزلىّ ، وذلك هو إخفاؤها في الرسوم .
قوله « وتحقّق » عطف على « فتكون » أي فتكون مشاهدا وتحقّق معرفة العلل وهي الوسائط وإسناد أحوالها إلى ما سوى اللَّه تعالى من الأسباب والرسوم الخلقية من الطبايع واختيار الخلق وإرادتهم وقدرتهم وإلى حركات الأفلاك