التسبيح من جميع الموجودات حقيقة .
وحكاية تسبيح الحصى في كفّ النبيّ صلى اللَّه عليه وآله وسماعه وإسماعه مشهور ، وفي ألسنة الرواة مذكور ، وما روى أيضا عن ابن مسعود أنّه قال : كنت مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله بمكَّة فخرجنا في بعض نواحيها فما استقبله حجر ولا مدر إلَّا ويقول : السّلام عليك يا رسول اللَّه ، وأمثاله كثيرة في الروايات دالَّة على أنّ هذا التسبيح والسجود والتسليم واقع على وجه التحقيق .
حتّى أنّ كثيرا من المنتسبين إلى الكشف والعرفان ، زعموا أنّ النبات بل الجماد فضلا عن الحيوان له نفس ناطقة كالإنسان ، وذلك أمر باطل والبراهين ناهضة على خلافه من لزوم التعطيل والمنع عما فطر اللَّه طبيعة الشيء عليه ودوام القصر على أفراد النوع والإبقاء له على القوّة والإمكان للشيء من غير أن يخرج إلى الفعليّة والوجدان إلى غير ذلك من المفاسد الشنيعة المصادمة للبرهان والحكمة .
بل هذا تسبيح فطري وسجود ذاتي وعبادة فطرية نشأت عن تجلّ إلهي وانبساط نور وجودي على كافة الخلائق على تفاوت درجاتها وتفاضل مقاماتها في نيل الوجود ودرك الشهود ومع هذا التفاوت والتفاضل في القرب والبعد والشرف والخسّة فأفراد العالم كلَّه كأجزاء شخص واحد تنال من روح الحياة وروح المعرفة ما ناله الكلّ دفعة واحدة فأنطقها اللَّه الَّذي أنطق كلّ شيء فأحبّته وخضعته وسجدت له بسجود الكلّ وسبّحت له بتسبيحات هي تسبيح الكلّ * ( « كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَه وتَسْبِيحَه » ) * .
والَّذي يمنع عن هذه العبادة الفطريّة الأفكار الوهميّة والتصرّفات النفسانيّة لأكثر الانس الموجبة للخروج عن الفطرة الأصليّة واستحقاقيّة العذاب كما في قوله تعالى : * ( « وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْه الْعَذابُ » ) * .
وبالجملة تحقيق هذا التسبيح الفطري وإثبات هذه العبادة الذاتيّة ممّا يختصّ به الكاملون في الكشف والعرفان الراسخون في العلم والإيقان ، وأمّا سماع
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 238
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٣٨