قال الشّيخ العارف محيى الدّين في أوائل الفصّ الهودي : وكلّ ما سوى الحقّ فهو دابّة لأنّه ذو روح وما ثمّة من يدبّ بنفسه وإنّما يدبّ بغيره فهو يدبّ بحكم التبعيّة للذي هو على الصّراط المستقيم فانّه لا يكون صراطا إلَّا بالمشي عليه .
إذا دان لك الخلق فقد دان لك الحق
وإن دان لك الحق فقد لا يتبع الخلق
فحقّق قولنا فيه فقولي كلَّه حقّ
فما في الكون موجود تراه ماله نطق
وما خلق تراه العين إلَّا عينه حقّ
ولكن مودع فيه لهذا صوره حقّ
وقال القيصري في بيان قوله : فما في الكون موجود تراه ماله نطق : أي ليس في الوجود موجود تراه وتشاهده إلَّا وله روح مجرّد ناطق بلسان يليق به ، وقال تعالى : * ( « وإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه ولكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ » ) * وهذا اللَّسان ليس لسان الحال كما يزعم المحجوبون ، قال الشّيخ رضي اللَّه عنه في آخر الباب الثاني عشر من الفتوحات : وقد ورد أنّ المؤذّن يشهد له مدى صوته من رطب أو يابس ، والشرائع والنبوات من هذا القبيل مشحونة ونحن زدنا مع الإيمان بالأخبار الكشف فقد رأينا الأحجار رؤية عين بلسان نطق تسمعه آذاننا منها وتخاطبنا مخاطبة العارفين بجلال اللَّه ممّا ليس يدركه كلّ إنسان ، وإنّما اختفى نطق بعض الموجودات لعدم الاعتدال الموجب لظهور ذلك الفعل فلا يسمعه كلّ أحد فبقى نطقه باطنا والمحجوب يزعم أنّه لا نطق له والكامل لكونه مرفوع الحجاب لشاهد روحانيّة كلّ شيء ، ويدرك نطق كلّ حىّ باطنا وظاهرا والحمد للَّه أوّلا وآخرا .
وأفاد العارف المولى عبد الرزاق القاساني في المقام بقوله : إذا كان الحقّ هو المتجلَّي في كل موجود فلا موجود إلَّا هو ناطق بالحقّ لأنّه لا يتجلَّى في مظهر إلَّا في صورة اسم من أسمائه ، وكلّ اسم موصوف بجميع الأسماء لأنّه لا يتجزّى لكن المظاهر متفاوتة في الاعتدال والتسوية ، فإذا كانت التسوية في غاية الاعتدال تجلَّي بجميع الأسماء ، وإذا لم يكن ولم يخرج عن هذا الاعتدال الإنساني ظهر النطق وبطن سائر الأسماء والكمالات وإذا انحطَّ عن طور الاعتدال الإنساني بقي النطق في الباطن في الجميع حتّى الجماد ، فإنّ الَّتي لم يظهر عليه من الأسماء