ثمّ اعلم أنّ كلّ واحدة من هذه الآيات الستّة المشار إليها في هذا الحديث متضمّنة لباب عظيم من علم التوحيد والإلهيّة محتوية على أمر حكيم من الأحكام الصمديّة والربوبيّة لو أمهل الزّمان وساعد الدّهر الخوّان لعارف ربّاني وحكيم إلهيّ أخذ علمه من مشكاة النّبوّة المحمّديّة على صادعها وآله أفضل الصّلاة والتحيّة واقتبس حكمته عن أحاديث أصحاب العصمة والطهارة والتزكية سلام اللَّه عليهم لكان من حقّه وحقّهما أن يكتب في تفسير كلّ منها ما يثخن به مجلَّدا كبيرا بل مجلَّدات كثيرة ، ولكن سنذكر في كلّ آية منها ما هو كالشاهد لما ادّعيناه وكالأنموذج لما شاهدناه فنقول : أمّا الآية الالى ففي الأخبار عن تسبيح كلّ ما في السماوات وما في الأرض من الموجودات حتّى الجماد والنّبات والأجساد والموادّ والأرض الموات وجثث الأموات للَّه تعالى ، ومعرفة هذا التسبيح الفطري والعرفان الكشفي الوجودي من غوامض العلوم ودقائق الأسرار الَّتي عجزت عن إدراكها أذهان جمهور العلماء وأكثر الحكماء فضلا عن غيرهم وليس عندهم في هذا الباب إلَّا مجرّد التقليد ، إيمانا بالغيب أو حمل التسبيح على ما فيها من الأدلَّة الدّالَّة على وحدانيّة اللَّه وتنزيهه ( تنزّهه - خ ل ) عن صفات النقص من التجسّم والتغيّر والتكثّر .
وقال بعضهم : إنّ كلمة ما ههنا بمعنى من ، وقيل : معناه كلّ ما يتأتّى منه التسبيح ، هذا تمام كلام الأعلام في هذا المقام ، ولا يخفى عدم ملائمة كلّ من الوجهين الأخيرين ، بل كلّ ما قيل من التأويل والتخصيص لكثير من الآيات القرآنيّة والأخبار النبويّة الدالَّة على تسبيح المسمّى بالجماد والنّبات من الشجر والحجر والصخر والمدر فضلا عن المسمّى بالحيوان والطير والبشر .
منها قوله تعالى : * ( « أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَه مَنْ فِي السَّماواتِ ومَنْ فِي الأَرْضِ والشَّمْسُ والْقَمَرُ والنُّجُومُ والْجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوَابُّ وكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ » ) * .
ومنها قوله : * ( « أَولَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ الله مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُه عَنِ الْيَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّه وهُمْ داخِرُونَ » ) * وكذا نظائرها من الآيات الدالَّة على وقوع
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 237
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٣٧