فالبحر معكم وأنتم مع البحر ، وأنتم في البحر والبحر فيكم ، وهو ليس بغائب عنكم ، ولا أنتم بغائبين عنه ، وهو أقرب إليكم من أنفسكم .
فحين سمعوا هذا الكلام منه قاموا كلَّهم إليه وقصدوه حتّى يقتلوه ، فقال لهم : لم تقتلوني ولأيّ ذنب أستحقّ هذا فقالوا له : لأنّك قلت البحر الَّذي نحن نطلبه هو الَّذي نحن فيه والَّذي نحن فيه هو الماء فقط ، وأين الماء من البحر فما أردت بهذا إلَّا إضلالنا عن طريقه وحيداننا عنه .
فقال كبيرهم : واللَّه ما كان كذلك وما قلت إلَّا الحقّ والواقع في نفس الأمر لأنّ البحر والماء شيء واحد في الحقيقة وليس بينهما مغايرة أصلا ، فالماء اسم للبحر بحسب الحقيقة والوجود ، والبحر اسم له بحسب الكمالات والخصوصيّات والانبساط والانتشار على المظاهر كلَّها .
فعرف ذلك بعضهم وصار عارفا بالبحر وسكت عنه ، وأنكر البعض الاخر وكفر بذلك ورجع عنه مطرودا محجوبا .
والَّذي حكيت عن لسان الحيتان لو حكيته عن لسان الأمواج لكان أيضا صحيحا وكلاهما جائز ، وإذا تحقّق هذا فكذلك شأن الخلق في طلب الحقّ فإنّهم إذا اجتمعوا عند نبيّ أو إمام أو عارف وسألوا عن الحقّ ، فقال هذا النّبيّ أو الإمام أو العارف : إنّ الحقّ الَّذي تسألون عنه وتطلبونه هو معكم وأنتم معه ، وهو محيط بكم وأنتم محاطون به ، والمحيط لا ينفكّ عن المحاط ، وهو معكم أينما كنتم ، وهو أقرب إليكم من حبل وريدكم * ( « ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ ولا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ ولا أَدْنى مِنْ ذلِكَ ولا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا » ) * « و * ( هُوَ الأَوَّلُ والآخِرُ والظَّاهِرُ والْباطِنُ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ » ) * * ( « فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْه الله » ) * * ( « كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَه لَه الْحُكْمُ وإِلَيْه تُرْجَعُونَ » ) * وهو ليس بغائب عنكم ولا أنتم بغائبين عنه ، أينما توجّهتم فثمّ ذاته ووجهه ووجوده وهو مع كلّ شيء وهو عين كلّ شيء ، بل هو كلّ شيء وكلّ شيء به قائم وبدونه زائل ، وليس لغيره وجود أصلا ، لا ذهنا ولا خارجا ، وهو الأوّل بذاته ، والاخر
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 227
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٢٧