بكمالاته ، الظاهر بصفاته ، والباطن بوجوده ، وإنّه للكلّ مكان ، في كلّ حين وأوان ، ومع كلّ إنس وجان .
فلمّا سمع الخلق ذلك قاموا إليه كلَّهم وقصدوه ليقتلوه ، فقال لهم لم تقتلوني ولأيّ ذنب أستحقّ هذا .
فقالوا له : لأنّك قلت الحقّ معكم وأنتم معه ، وليس في الوجود إلَّا هو ، وليس لغيره وجود لا ذهنا ولا خارجا ، ونحن نعرف بالحقيقة أنّ هناك موجودات غيره من العقل والنّفس والأفلاك والأجرام والملك والجنّ وغير ذلك ، فما أنت إلَّا كافر ملحد زنديق ، وما أردت بذلك إلَّا إغواءنا وإضلالنا عن الحقّ وطريقه .
فقال لهم : لا واللَّه ما قلت لكم غير الحق ولا غير الواقع ، وما أردت بذلك إضلالكم وإغواءكم ، بل قلت ما قال هو بنفسه ، وأخبركم إيّاه على لسان نبيّه ، وإلَّا فأيّ شيء معنى قوله : * ( « سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الآفاقِ » ) * - الآية ، ومعنى قوله : * ( « الله نُورُ السَّماواتِ والأَرْضِ » ) * - الآية ، ومعنى قوله : * ( « هُوَ الأَوَّلُ والآخِرُ والظَّاهِرُ والْباطِنُ » ) * ولأيّ شيء قال : * ( « ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِه إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ الله بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّه أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاه ، ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ولكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ » ) * ، ولم قال : * ( « ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيه مَنْ يَشاءُ والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ » ) * لأنّه يعرف أنّ كلّ واحد ما يعرف ذلك ولا بقدر عليه ، كما قال أيضا : * ( « كُلُوا وارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي » ) * « و * ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنْزَلَ » ) * « و * ( إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَه قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وهُوَ شَهِيدٌ » ) * .
فعرف ذلك بعضهم وقبل منه وصار عارفا موحّدا ، وأنكر ذلك بعضهم ، ورجع عنه محجوبا مطرودا ملعونا نعوذ باللَّه منه ومن أمثاله ، هذا آخر الأمثلة المضروبة في هذا الباب ، واللَّه أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب * ( « ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ » ) * * ( « وتِلْكَ الأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ » ) * ، انتهى ما أردنا من نقل كلامه رحمة اللَّه عليه في المقام .
ولمّا لم يكن للمهيّات أصالة ، ولم يكن لها أثر وظهور إلَّا بنور الوجود ، ولم
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 228
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٢٨