يكن الوجود إلَّا ذاته سبحانه وشئونه ودريت أنّه ملأ كلّ شيء وفتق ظلمات الماهيّات نوره فأوّل ما يرى ويدرك ويعلم في دار الوجود هو الوجود ليس إلَّا فهو ظاهر بذاته لا يحتاج إلى معرّف ودليل يدلّ عليه لأنّ ذلك الدّليل إمّا وجود أو غيره والوجود وجود ، والغير عدم والعدم لا شيء محض وما ليس بشيء رأسا كيف يدلّ على ما هو شيء وموجود ، نعم إنّ غير الوجود من ماهيّات أشباح الموجودات الممكنة بأسرها يعرف به ، وقد سئل نبيّنا صلى اللَّه عليه وآله بما ذا عرفت ربّك قال صلى اللَّه عليه وآله : باللَّه عرفت الأشياء ، وقال مولانا عليّ أمير المؤمنين عليه السّلام : اعرفوا الله باللَّه .
وروى ثقة الإسلام الكليني بإسناده عن عبد الأعلى ، عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : اسم اللَّه غيره وكلّ شيء وقع عليه اسم شيء فهو مخلوق ما خلا اللَّه - إلى أن قال عليه السّلام : من زعم أنّه يعرف اللَّه بحجاب أو بصورة أو بمثال فهو مشرك لأنّ حجابه ومثاله وصورته غيره وإنّما هو واحد موحّد فكيف يوحّده من زعم أنه عرفه بغيره ، وإنّما عرف اللَّه من عرفه باللَّه ، فمن لم يعرفه به فليس يعرفه إنّما يعرف غيره ليس بين الخالق والمخلوق شيء - الحديث ( حديث 4 من باب حدوث الأسماء من أصول الكافي ج 1 ص 88 من المعرب ) .
وفي التوحيد ( ص 494 ) عن منصور بن حازم قال : قلت لأبي عبد اللَّه عليه السّلام : إنّي ناظرت قوما فقلت لهم : إنّ اللَّه أجلّ وأكرم من أن يعرف بخلقه بل العباد يعرفون باللَّه ، فقال عليه السّلام : رحمك اللَّه .
وفي دعاء عرفة لسيّد الشهداء أبي عبد اللَّه الحسين عليه السّلام : كيف يستدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتّى يكون هو المظهر لك ، كما تقدّم آنفا ، ولا يخفى لطف كلامه عليه السّلام « في وجوده » فإن لهذا الكلام شأنا من الشأن .
وممّا يرشدك أيضا إلى أنّ ما سواه تعالى شؤونه ومجالى ذاته ومظاهر أسمائه وصفاته كلمة فاطر ، وفطر وأخواتهما في القرآن الكريم نحو قوله عزّ من قائل : * ( « أَفِي الله شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ والأَرْضِ » ) * ( إبراهيم : 11 ) وقوله تعالى : * ( « إِنِّي
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 229
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٢٩