من الهواء لا يستضيء بضياء الشمس أصلا لكونها مشفّة في الغاية وينفذ النور فيها ولا ينعكس فإذا وقع ضوء الشمس على الأرض يستضيء وجهها المواجه لها بها ولمّا كانت الأرض كرّية الشكل تقريبا والشمس أعظم منها يكون ظلَّها على شكل مخروط مستدير فانّ الكرة المنيرة لو كانت مساوية للمستنيرة يكون الظلّ على شكل الأستوانة المستديرة لا المخروط المستدير ، ثمّ قاعدة المخروط المستدير من ظلّ الأرض هي تلك الدائرة الصغيرة يحيط به هذه القاعدة وسطح مستدير يرتفع منها ويستدقّ شيئا فشيئا إلى أن ينتهي في أفلاك الزهرة ويكون لا محالة قاعدة مخروط الظلّ نحو جرم الشمس وسهمه في مقابلة جرمها أبدا ففي منتصف اللَّيل يكون السّهم على دائرة نصف النهار فوق الأرض إمّا قائما على سطح الأفق الحسّي إن كانت الشمس على سمت القدم ، أو مائلا إلى جهة القطب الظاهر إن كانت عن سمت القدم في جهة القطب الخفيّ ، أو إلى جهة القطب الخفيّ إن كانت عن سمت القدم في جهة القطب الظاهر ولكن يتساوى بعده عن الشرق والغرب في جميع الصّور .
ولا يخفى على ذي دربة في الفنّ أنّ هذا مخصوص بما إذا لم يتّصل الصبح بالشفق إذ حينئذ قبل أن يميل المخروط إلى جانب الغرب يصير الشعاع المحيط به مرئيّا كما سنزيدك فيه بيانا .
ثمّ إنّ كرة البخار هواء متكاثف بسبب مخالطة الأجزاء الأرضيّة والمائيّة المتصاعدتين من كرتيهما بحرارة الشمس أو غيرها على شكل كرة محيطة بالأرض على مركزها وسطح مواز لسطحها وهي مختلفة القوام فما هو أقرب منهما إلى الأرض أكثف ممّا هو أبعد لأنّ تصاعد الألطف أكثر بالطبع من الأكثف وقد بيّن في الأبعاد والأجرام أنّ بعد سطحها الأعلى عن سطح الأرض اثنان وخمسون ميلا تقريبا .
ومخروط الظلّ يثقب كرة البخار ولا يحيط بها وذلك لأنّ قاعدة المخروط سطح دائرة محيطها هو الفصل المشترك بين المضيء والمظلم من كرة الأرض وتلك
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 95
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٩٥