واقتفى أثره عليه السّلام في قوله هذا : وإنّي لو قتلت في ذات اللَّه - إلخ ، الَّذين استضاؤا من مشكاة وجوده ، واقتبسوا من نور علمه وربّوا في بيته وحجره ، واحتذوا حذوه ، واتّبعوا سبيله سلام اللَّه عليهم أجمعين : فهذا هو عمّار بن ياسر فاستمع ما ذا يقول رضوان اللَّه عليه : روى نصر في صفّين عن عمر قال : حدّثني عبد الرّحمن بن جندب ، عن جندب بن عبد اللَّه قال : قام عمّار بن ياسر بصفّين فقال : امضوا عباد اللَّه إلى قوم يطلبون فيما يزعمون بدم الظَّالم لنفسه ، الحاكم على عباد اللَّه بغير ما في كتاب اللَّه إنّما قتله الصّالحون المنكرون للعدوان الآمرون بالإحسان فقال هؤلاء الَّذين لا يبالون إذا سلمت لهم دنياهم لو درس هذا الدين : لم قتلتموه فقلنا لأحداثه ، فقالوا : إنّه ما أحدث شيئا وذلك لأنّه مكَّنهم من الدّنيا فهم يأكلونها ويرعونها ولا يبالون لو انهدّت عليهم الجبال ، واللَّه ما أظنّهم يطلبون دمه إنّهم ليعلمون أنّه لظالم ولكنّ القوم ذاقوا الدّنيا فاستحبّوها واستمرؤها ، وعلموا لو أنّ الحقّ لزمهم لحال بينهم وبين ما يرعون فيهم منها ، ولم يكن للقوم سابقة في الإسلام يستحقّون بها الطاعة والولاية فخدعوا أتباعهم بأن قالوا قتل إمامنا مظلوما ليكونوا بذلك جبابرة وملوكا ، وتلك مكيدة قد بلغوا بها ما ترون ولولا هي ما بايعهم من النّاس رجلان ، اللَّهمّ إن تنصرنا فطال ما نصرت ، وإن تجعل لهم الأمر فادّخر لهم بما أحدثوا لعبادك العذاب الأليم ، ثمّ مضى ومضى معه أصحابه فلمّا دنى من عمرو بن العاص فقال : يا عمرو بعت دينك بمصر تبّا لك وطال ما بغيت الإسلام عوجا ثمّ حمل عمّار وهو يقول :
صدق اللَّه وهو للصّدق أهل
وتعالى ربّي وكان جليلا
ربّ عجّل شهادة لي بقتل
في الَّذي قد احبّ قتلا جميلا
مقبلا غير مدبر إنّ للقتل
على كلّ ميتة تفضيلا
إنّهم عند ربّهم في جنان
يشربون الرّحيق والسلسبيلا
من شراب الأبرار خالطه المسك
وكأسا مزاجها زنجبيلا