ومن كان طالب الأمر السديد وسالك النهج الرشيد يجب له أن يدين اللَّه بما أوضحه حماة الدّين ويعبده على سيرة حججه الهادين المهديّين الَّذين لا يرى في فعلهم غيّ ولا في منطقهم خطاء فانّهم الحكماء المؤيّدون من عند اللَّه والمؤدّبون بتأديبه تعالى لا يرون في جميع أحوالهم سواء في السرّاء والضرّاء والشدّة والرّخاء والعافية والبلاء إلَّا اللَّه تعالى ، ولا يرى منهم عمل إلَّا له تعالى فطوبى لمن اقتفى أثرهم واقتدى بهديهم .
قوله عليه السّلام : « إليك أفضت القلوب - إلخ » قد ذكرنا في أبحاثنا السالفة أنّ الجهاد عبادة وأنّه من أعظم العبادات بل أنّه أشرف الأعمال بعد الإسلام كما هو نصّ ما قاله الأمير عليه السّلام ( باب 15 من كتاب الجهاد من الكافي ص 337 من الطبع على الحجر ) . فلو كانت مشوبة بالرياء لم يتقبّل اللَّه وقال عزّ من قائل : « فمن كان يرجوا لقاء ربّه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربّه أحدا » .
ثمّ عند إقبال الجهاد يمتحن الرجال ويميّز الخبيث من الطَّيب فمن استعدّ له فقد انقاد المولى وذلّ له .
ولمّا كان بين النفس والبدن ارتباط تامّ ، واتّصال كامل بحيث يتأثّر كلّ واحد منهما عن الاخر كما قدّمنا البحث عنه في شرح المختار 232 من باب الخطب ( ص 53 ج 15 ) وأنّ قوى البدن كلَّها جنود للنفس فلا جرم ينقاد البدن للنفس ويحكى أحوالها الطارية لها وإن كان سرّ الحكاية مستورا عنّا فإنّا نعلم علما يقينا أنّ الإنسان إذا تحيّر في أمر أو خجل يطرق رأسه ، وإذا أدرك حقيقة واطلع على مبهم معضل يحرّكه علوا وسفلا ، وإذا أدركه كمه يحرّكه يمينا وشمالا ، وإذا صدّق أمرا يؤميه إلى قدّامه وإذا أنكره يؤبيه إلى خلفه ، وإذا خاف من شيء ينقبض البدن وتقف القوى عن أعمالها إن كان خوفا شديدا ، أو يدبر ويفرّ إن كان خفيفا ، وإذا غضب على غيره يتسدّل حاجباه وتنقبض ناصيته وتنبسط القوى وتبطش وتقوى على حدّ تخرج الحدقتان محمّرتين ويحمرّ البدن من جهة خروج الدّم إلى ظاهر البدن وقتئذ وإذا تعجّب من أمر يخرج شفته السفلى ويرفع حاجبيه ويخرج حدقتيه ، وإذا تعشق أمرا عرضت له حالة أخرى وقد يستفاد من حركات
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 181
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٨١