فقال الناس : قدو اللَّه صدق ابن رواحة ، فمضى الناس حتّى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الرّوم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف ثمّ دنا العدوّ وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة ، فالتقى الناس عندها فتعبّأ لهم المسلمون فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بني عذرة يقال له قطبة بن قتادة ، وعلى ميسرتهم رجلا من الأنصار يقال له عباية ( عبادة - خ ل ) بن مالك .
ثمّ التقى الناس واقتتلوا فقاتل زيد بن حارثة براية رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله حتّى شاط في رماح القوم .
ثمّ أخذها جعفر فقاتل بها حتّى إذا ألحمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها ، ثمّ قاتل حتّى قتل ، فكان جعفر أوّل رجل من المسلمين عقر في الإسلام .
أقول : وقد مضى كلامنا في البحث عن المثلة آنفا من أنّ جعفرا رضوان اللَّه عليه لما ذا عقرها .
قال ابن إسحاق : وحدّثني يحيى بن عبّاد بن عبد اللَّه بن الزبير ، عن أبيه عبّاد قال : حدثني أبي الذي أرضعني وكان أحد بني مرّة بن عوف وكان في تلك الغزوة غزوة مؤتة قال : واللَّه لكأنّي أنظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء ثمّ عقرها ثمّ قاتل حتّى قتل وهو يقول :
يا حبذا الجنّة واقترابها
طيّبة وباردا شرابها
والروم روم قد دنى عذابها
كافرة بعيدة أنسابها
عليّ إذ لاقيتها ضرابها
قال ابن هشام : وحدّثني من أثق به من أهل العلم : أنّ جعفر بن أبي طالب أخذ اللَّواء بيمينه فقطعت ، فأخذه بشماله فقطعت ، فاحتضنه بعضديه حتّى قتل رضي اللَّه عنه وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة ، فأثابه اللَّه بذلك جناحين في الجنّة يطير بهما حيث شاء .
فلما قتل جعفر أخذ عبد اللَّه بن رواحة الراية ثمّ تقدّم بها وهو على فرسه فجعل يستنزل نفسه ويتردّد بعض التردّد ثمّ قال :