ثمّ إنّ إسلامه عليه السّلام وهو ابن عشر سنين أو ابن خمس عشر سنة ، أو ابن ثمان سنين وإن كان الأخير فما دونه يخالف المشهور ويضادّ المعروف وروايته شاذّة مطرودة إنّما كان لسعة قلبه وكمال عقله وشرح صدره ، وليس ذلك ممّن اجتبيه الله تعالى بمستنكر ، كيف وقد نطق القرآن الحكيم بنظائره : قال في يحيى عليه السّلام : * ( « يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناه ُ الْحُكْمَ صَبِيًّا » ) * ( مريم - 13 ) وفي عيسى عليه السّلام : * ( « فَأَشارَتْ إِلَيْه ِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا . قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا . وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا » ) * الآيات ( مريم 30 - 34 ) .
فكم ضلّ ونصب العداوة كالناصبة الذاهبة إلى أنّ ايمانه عليه السّلام في تلك الحالة إنّما كان على وجه التقليد والتلقين وما كان بهذه المنزلة لم يستحقّ صاحبه المدحة ولم يجب له به الثواب وكان هو حينئذ ابن سبع سنين فلم يكن كامل العقل ولا مكلفا فراجع إلى البحار ( ص 327 ج 9 من الطبع الكمباني ) .
على أنّ ظاهر قوله تعالى : * ( « وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ » ) * يدلّ على أنّه عليه السّلام كان في موضع التكليف وكان ممّن دعاه رسول الله صلَّى الله عليه وآله إلى الاسلام ، وقد تقرّر في الفقه إمكان من بلغ عشرا عاقلا من الذكور أن يبدو منه بعض آثار التكليف من إنبات الشعر وحصول الاحتلام وعلامة البلوغ ليست بمنحصرة في العدد .
ثمّ لو لم يكن دالا على أنّه عليه السّلام كان في موضع التكليف ليدلّ على كمال فضله وحصول معرفته باللَّه وبرسوله وعلى أنّه عليه السّلام كان من آيات الله الخارقة للعادة وعلى اختصاصه وتأهيله لما رسخه الله له من الإمامة والحجّة على الخلق فجرى في خرق العادة مجرى عيسى ويحيى عليهما السّلام كما قدّمنا ، فلو لا أنّه عليه السّلام كان كاملا وهو من أبناء عشر فما دونها لما كلَّفه رسول الله صلَّى الله عليه وآله من الإقرار بنبوّته ، ولا دعاه إلى الاعتراف بحقّه ، ولا افتتح به الدّعوة قبل جميع الرّجال .
قال المسعوديّ في مروج الذّهب ( ص 400 ج 1 طبع مصر 1346 ه ) : وقد تنوزع في عليّ بن أبي طالب عليه السّلام ، فذهب كثير من النّاس إلى أنّه لم يشرك باللَّه شيئا
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 346
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٤٦