أنّ الرؤية القلبيّة به تعالى هي الكشف التامّ الحضوري وشهوده تعالى للعبد على مقدار تقرّبه منه تعالى بقدم المعرفة ودرج معارف العقل وعقائد حقّانيّة برهانيّة ، فإنّه عزّ وجلّ يتجلَّى للعبد بقدر وعائه الوجوديّ ، لأنّه ربّ العباد والطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق ، وهم في وجودهم وبقائهم في جميع الأحوال والعوالم ربط محض وفقر صرف ، والأوّل تعالى لا ينفكّ فيضه عليهم طرفة عين ، ويفيض عليهم على مقدار قابليّتهم وسعة وجودهم وتقرّبهم ، والعارف السالك يشهده على مقدار حقائق ايمانه لا بالكنه ، وهذا الشهود الوجودي والانكشاف التامّ الحضوري ذو درجات * ( « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ » ) * ( المجادلة - 12 ) .
وتنتهي هذه الدّرجات إلى مرتبة يقول العبد السالك النائل بها على لسان صدق وقول حق : لو كشف الغطاء لما ازددت يقينا .
قال يعقوب بن إسحاق الكندي فيلسوف العرب : إذا كانت العلَّة الأولى متّصلة بنا لفيضه علينا وكنّا غير متّصلين به إلَّا من جهته ، فقد يمكن فينا ملاحظته على قدر ما يمكن للمفاض عليه أن يلاحظ المفيض ، فيجب أن لا ينسب قدر إحاطته بنا إلى قدر ملاحظتنا له ، لأنّها أغزر وأوفر وأشدّ استغراقا .
وقال المحقّق الشهرزوريّ في الشجرة الإلهيّة : الواجب لذاته أجمل الأشياء وأكملها ، لأنّ كلّ جمال وكمال رشح وفيض وظلّ من جماله وكماله ، فله الجلال الأرفع ، والنور الأقهر ، فهو محتجب بكمال نوريّته وشدّة ظهوره ، والحكماء المتألَّهون العارفون به يشهدونه لا بالكنه ، لأنّ شدّة ظهوره وقوّة لمعانه وضعف ذواتنا المجرّدة النوريّة يمنعنا عن مشاهدته بالكنه كما منع شدّة ظهور الشمس وقوّة نورها أبصارنا اكتناهها ، لأنّ شدّة نوريّتها حجابها ، ونحن نعرف الحقّ الأوّل ونشاهده ، لكن لا نحيط به علما كما ورد في الوحي الإلهي « ولا يحيطون به علما وعنت الوجوه للحيّ القيّوم » . نقلهما صدر المتألَّهين عنهما في الفصل الثالث من المنهج الثاني من أوّل الأسفار .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 319
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣١٩