بهذا المعنى لأنّهم يتبادرون إلى الأحكام الَّتي تحسّ بمحسّة لحشرهم معها وانسهم بها .
وأمّا التوجّه إلى ما وراء الطبيعة والسير إلى باطن عالم الشهود بقدم المعرفة فلا تيسّر لهم إلَّا بعد تنبيه وايقاظ وإرشاد ، ولمّا رأى عليه السّلام أنّه حمل الرؤية على ذلك بيّن له أنّ المراد من الرؤية هو الرؤية القلبيّة لا العينيّة ، وقال عليه السّلام رأته القلوب بحقائق الإيمان .
وأمّا الرؤية القلبيّة بحقائق الايمان فلابدّ من أن نمهّد مقدّمة في بيانه كي يتّضح المراد وهي : أنّ حقيقته تعالى غير معلومة لأحد بالعلم الحصولي الصوري كما أنّها غير معلومة لأحد أيضا بالعلم الاكتناهي أعني إحاطته تعالى بالعقل أو الحسّ أو بغيرهما من القوى المدركة ، واتّفق على امتناع ذينك العلمين به تعالى الحكماء الالهيّون والعرفاء الشامخون .
أمّا الأوّل فلأنّ العلم الحصولي به تعالى إنّما يتمشّي فيما له ماهيّة حتّى يصحّ تعدّد أنحاء الوجود لتلك الماهيّة فيحصل نحو من وجوده في الأذهان ، والعلم الحصولي هو حصول صورة الشيء وارتسامه في الذّهن ، والعلم بالشيء ليس إلَّا نحو وجوده لدى الذات العاقلة المجرّدة ، فهذا الوجود الذهني نحو من وجود ذلك الشيء الخارجي ، غاية الأمر أنّ للذهني بالنسبة إلى الخارجي تجرّدا ما ، ولكن الواجب تعالى لمّا كان حقيقته وجوده العيني الخاص وتعيّنه عين ذاته وإنيّته ماهيّته لا يتطرّق إليه التعدّد والكثرة ، فلا يرتسم في الذهن ، فلا يكون معلوما لأحد بالعلم الحصولي .
وأمّا الثّاني فلأنّ ما سواه معلول له ، وأنّى للمعلول أن يحيط بعلَّته وهو دونها وشأن من شؤونها ، وهو تعالى لشدّة نوريّة وجوده الغير المتناهي العيني الخاصّ به ونهاية كماله وسعة عظمته وقاهريّة ذاته وتسلَّطه على من سواه حجب العقول المجرّدة والنفوس الكاملة ، فضلا عن الأوهام والأبصار عن الإحاطة به واكتناه ذاته
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 317
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣١٧