ثمّ إنه عليه السّلام جعل باب هذه الدّار الَّذي يشرع أي يفتح للدّخول فيها في الحدّ المنتهي إلى الشيطان المغوي تنبيها على أنّ الدّار المبنيّة على الجور والعدوان ليست إلَّا من إغواء الشيطان ، وإشارة إلى أنّ الشيطان كان سببا لاشترائها ، ولو أعرض شريح عن اتّباعه لما أقدم إلى ابتياعها .
قوله عليه السّلام : ( اشترى هذا المغترّ بالأمل من هذا المزعج بالأجل هذه الدّار بالخروج من عزّ القناعة والدّخول في ذلّ الطلب والضراعة ) بدل من الأوّل وأفاد عليه السّلام في هذه الفقرة : أوّلا أنّ اغترار شريح بالأمل صار سبب اشترائه الدّار .
وثانيا أنّه جعل ثمنها الخروج من عزّ القناعة والدّخول في ذلّ الطلب والضراعة لما مرّ في الإعراب من أنّ الباء للعوض وللمقابلة .
وثالثا أنّ القانع عزيز وللقناعة عزّة .
ورابعا أنّ الخروج من عزّ القناعة يؤدّي إلى الذّلة والمسكنة من الطلب والضراعة للخلق .
ثمّ انظر في لطائف كلامه عليه السّلام ودقائق بيانه : ذمّ الأمل ، والطلب والضراعة والخروج من القناعة ، مدح القناعة ، ووصفها بالعزّة ، وجمع بين الأمل والأجل والخروج والدّخول ، والعزّ والذلّ ، والقناعة والضراعة ، ومحاسن هذا الكتاب فوق أن يحوم حولها العبارة .
الأنبياء وورثتهم عليهم السّلام لا يأمرون بالذل والسؤال بل يحضون على العز والجلال
زعم الجاهلون والمغفلون عن غرض سفراء الله تعالى وبعثتهم أنّهم يدعون الناس إلى الفقر والكدية ، ويأمرونهم بالبطالة والعزلة والرّهبانيّة ، وذلك ظنّ الَّذين اتّبعوا أهواءهم ولم يصلوا إلى درك مقاصد الأنبياء وفهم مطالبهم ، ولم يدروا أنّهم نهوا الناس عن الدّنيا المذمومة أي اقتراف المال وادّخاره على وجه لم يمضه العقل ولا يرضى به ، كأن يقترفه بالسرقة والقيادة والقمار والرّبا والجور وشهادة الزور وبيع الخمر ونحوها ممّا تضرّ الاجتماع وتمنعه عن الارتقاء .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 135
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٣٥