يا شريح اتّق الله فإنه سيأتيك » أي خف الله واحذر ما حرّمه عليك ، قال بعضهم : التقوى أن لا يراك الله حيث نهاك ، ولا يفقدك حيث أمرك . وقيل : المتقي الَّذي اتّقى ما حرّم عليه وفعل ما أوجب عليه . وقيل : هو الَّذي يتّقي بصالح أعماله عذاب الله . وسأل عمر بن الخطاب كعب الأحبار عن التقوى ، فقال : هل أخذت طريقا ذا شوك فقال : نعم ، قال : فما عملت فيه قال : حذرت وشمّرت ، فقال كعب : ذلك التقوى ، ونظمه بعض الناس فقال :
خلّ الذّنوب صغيرها
وكبيرها فهو التّقى
واصنع كماش فوق أر
ض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرنّ صغيرة
إنّ الجبال من الحصى
وروي عن النبي صلَّى الله عليه وآله أنّه قال : إنّما سمّي المتّقون لتركهم ما لا بأس به حذرا للوقوع فيما به بأس .
وقال عمر بن عبد العزيز : التقيّ ملجم كالمحرم في الحرم أتى بها الطبرسي في المجمع ضمن قوله تعالى * ( « ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيه ِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ » ) * ( البقرة - 3 ) .
قوله عليه السّلام : ( أما إنه سيأتيك من لا ينظر في كتابك ولا يسألك عن بيّنتك ) أما للتنبيه كأنّ شريحا كان نائما استيقظه أمير المؤمنين عليه السّلام ، لأنّ الغافل في أعماله كالنائم فنبّهه عليه السّلام من نوم الغفلة فقال : انتبه يا شريح سيأتيك ملك الموت أو الموت لا يتأمّل في كتابك ولا يستخبرك عن حجّتك .
أمّا عدم نظره واستخباره ، فإن كان المراد من من الموت فالأمر واضح وإن كان المراد منه ملك الموت عليه السّلام فوجهان : الأوّل أنه مأمور لقبض الأرواح فقط ، وليس تكليفه السؤال عن أعمال الناس قال تعالى : * ( « قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ » ) * ( السجدة - 13 ) وقوله تعالى : * ( « وَما مِنَّا إِلَّا لَه ُ مَقامٌ مَعْلُومٌ » ) * ( الصافات - 165 ) .
الوجه الثاني أنّه من العقول المجرّدة المحيطة بما دونهم ، وإنما يسأل عن الشيء ويستخبر عنه من لم يكن محيطا به .