ويجري الاحتمالان في ما روي في صحيح مسلم عن إبراهيم عن الأسود قال : دخل شباب من قريش على عائشة وهي بمنى وهم يضحكون ، فقالت : ما يضحككم قالوا : فلان خرّ على طنب فسطاط فكادت عنقه أو عينه أن تذهب ، فقالت : لا تضحكوا إتّي سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وآله قال : ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلَّا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة .
فيحتمل فما عدا الشوكة وتجاوزها في القلَّة ، ويحتمل ما هو أشدّ من الشوكة وأوجع .
وقال العكبريّ في شرحه على ديوان المتنبي عند قوله :
ومن جسدي لم يترك السقم شعرة
فما فوقها إلَّا وفيها له فعل
وما فوقها يجوز أن يكون ما هو أعظم منها ، ويجوز أن يريد ما دونها في الصغر وقد قال المفسّرون في قوله تعالى * ( « بَعُوضَةً فَما فَوْقَها » ) * الوجهان اللَّذان ذكرنا .
انتهى .
ولكن كلا الوجهين في الآية والخبر لا يتمشّيان في المقام لما علمت أنّ ما لا يرغب فيه بدرهم فبالأولى أن لا يرغب فيه بما فوقه .
فما أشار إليه بعض في حاشية النهج من أنّ هذه العبارة في المقام تكون مثل قوله تعالى * ( « بَعُوضَةً فَما فَوْقَها » ) * ليس باطلاقه صحيحا .
ثمّ إنّ لتفسير نحو هذه العبارة وجها آخر أدقّ وألطف ممّا قدّمنا لم يتعرّضه أحد من الشراح والمفسّرين وهي : أنّ مفاد عبارة النهج مثلا يكون هكذا : لم ترغب فيها بدرهم فكيف ترغب فيها بما فوقه ، كأنّه قال : فبأن لا يرغب فيها بما فوق الدّرهم أولى ، نظير هذا المضمون يقال في المحاورات الفارسيّة : اين كالا بدرمي نمىارزد تا چه رسد كه به بيشتر از آن . وهكذا نحوه في كلّ مقام بحسبه مثلا * ( « إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً » ) * فبأن لا يستحيي أن يضرب مثلا فوقها أولى ، أو كيف يستحيي أن يضرب مثلا فوقها ، وعلى هذا القياس في الخبر وشعر المتنبي ونحوها .