يبغض أمير المؤمنين عليه السّلام فردّ هديّته وقال : وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة في وعائها ومعجونة شنئتها كأنّما عجنت بريق حيّة أوقيئها ، فقلت : أصلة أم زكاة أم صدقة فذلك كلَّه محرّم علينا أهل البيت ، فقال : لا ذا ولا ذاك ولكنّها هديّة ، فقلت : هبلتك الهبول أعن دين الله أتيتني لتخدعني أمختبط أم ذوجنّة أم تهجر والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصى الله في نملة اسلبها جلب شعيرة ما فعلته ، وإنّ دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها ما لعليّ ونعيم يفنى ، ولذّة لا تبقى نعوذ بالله من سبات العقل وقبح الزّلل وبه نستعين ( ذيل الكلام 222 من باب الخطب من النهج ) .
ثمّ إذا كان المتجر الحلال وتحصيل ما يحتاج إليه الناس ومنه ابتياع الدّار ممدوحا شرعا وعقلا حتّى قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله : من سعادة المرء المسلم المسكن الواسع ، وقال أبو جعفر عليه السّلام : من شقاء العيش ضيق المنزل وغيرهما من الأخبار المرويّة في الكافي وغيره ( الوافي ص 107 ج 11 ) .
فلازم للعاقل المستبصر أن ينظر في قول أمير المؤمنين عليه السّلام لشريح حتى يظهر له سبب سؤاله شريحا عن داره هذه فإنّ شريحا كان قاضيا من قبله عليه السّلام وسيأتي ترجمته في ذيل الشرح ، والظاهر أنّ شريحا تجاوز عن الحقّ في أوان قضائه واشترى بالارتشاء أو نحوه بيتا فصار عمله هذا سبب مؤاخذة أمير المؤمنين عليه السّلام إيّاه على ابتياع الدّار سيّما أنّ القائمين بأمور الدّين كالقاضي والمفتي والمدرّس والمؤذّن والخطيب والامام وأمثالهم لا تعظم ثروتهم في الغالب .
ولا ريب أنّ أزمّة الأمور إذا كانت بيد رجل إلهيّ خيّر للاجتماع ورؤف بالناس يجتاح شوك الجور والعدوان من أصله ولا يدع أحدا أن يتجاوز عن قانون الفطرة وينحرف عن الحقّ فلا جرم يدور رحى الاجتماع على محور العدل .
وبالجملة أنّ ما أوجب سخطه عليه السّلام على شريح وعمله كما يلوح من ظاهر كتابه عدول شريح عن الحقّ وتجاوزه عن حقوق الناس حتّى اشترى دارا بثمانين دينارا
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 125
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٢٥