ما أبين الحقّ لذي عينين
إنّ الرّحيل أحد اليومين
فبادروا بصالح الأعمال فقد دنا النقلة والزوال . انتهى .
أقول : مع فرض صحّة إسناد الرواية إلى الفضيل أوّلا ، وعدم سهو الراوي وعدم الإسقاط والحذف ثانيا ، ما كان للفضيل وأضرابه أن يسوقوا الكلام إلى ذلك الحدّ من الزّهد في الدّنيا والرغبة عنها أو يعبروا تلك المعاني اللَّطيفة بتلك الألفاظ الوجيزة ثالثا ، بل لا نشكّ في أنّ سبك العبارات على هذا الأسلوب البديع ، وسوق المعاني على هذا النهج المنيع والتنفير عن الدّنيا بهذه الغاية والجودة واللَّطافة إنما نزل من حضرة القدس العلويّة .
ولا ننكر أنّ مثل تلك الواقعة وقع للفضيل أيضا إلَّا أنّ الفضيل لما رأى أنّ عمل الفيض بن إسحاق شبيه بعمل شريح ويناسبه انتقل إلى ما قاله أمير المؤمنين عليه السلام لشريح فخاطب به الفيض تنبيها له ، وإنما لم ينسب الكلام إليه عليه السّلام إمّا لعلمه بأنّ الفيض أيضا عالم بذلك الكتاب لاشتهاره بين أهله ، أو كان نقله من باب الاقتباس إن لم يتطرّق إليه سقط وحذف من الراوي وكم لما قلنا من نظير وشبيه نظما ونثرا ، مثلا أنّ العروضي نقل في كتابه المعروف ب « چهار مقاله » أي أربع مقالات ، أنّ نوح بن منصور أمير الخراسان كتب إلى آلبتكين كتابا توعّده فيه بالعقوبة وأوعده بالقتل والأسر والنهب فلمّا بلغه الكتاب أمر الإسكافيّ الكاتب البليغ المشهور أن يجيبه عن كتابه ويستخفّ به ويستهين ، فكتب الإسكافيّ : « يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما نعدنا إن كنت من الصادقين » .
فانظر فيه كيف اقتبس كتابه من القرآن الكريم من غير أن يتفوّه باسناده إليه .
ثمّ لا ننكر فضل الفضيل وأنّ له كلمات فاضلة لأنّه كان له شأن وإدراك السعادة العظمى لأنّه كان من سلسلة الرواة وأتى بكثير من رواياته وكلماته الأنيقة العذبة أبو نعيم في الحلية ، ولأنّه أدرك أبا عبد الله عليه السّلام واغترف من بحر حقائقه