الرجل وإن كان ذا مال وولد عن عشيرته ودفاعهم عنه بأيديهم وألسنتهم هم أعظم النّاس حيطة من ورائه وإليهم سعيه وأعطفهم عليه إن أصابته مصيبة أو نزل به بعض مكاره الأمور ومن يقبض يده عن عشيرته فانّه يقبض عنهم يدا واحدة وتقبض عنه أيد كثيرة ومن بسط يده بالمعروف ابتغاء وجه اللَّه تعالى يخلف اللَّه له ما أنفق في دنياه ويضاعف له في آخرته ، واعلموا أنّ لسان صدق يجعله اللَّه للمرء في النّاس خير له من المال فلا يزدادنّ أحدكم كبرياء ولا عظمة في نفسه ولا يغفل أحدكم عن القرابة أن يصلها بالذي لا يزيده إن أمسكه ولا ينقصه إن أهلكه ، واعلموا أنّ الدنيا قد أدبرت والآخرة قد أقبلت ألا وإن المضمار اليوم والسبق غدا ألا وإن السبقة الجنّة والغاية النار ألا إنّ الأمل يسهى القلب ويكذب الوعد ويأتي بغفلة ويورث حسرة فهو غرور وصاحبه في عناء فافزعوا إلى قوام دينكم وإتمام صلاتكم وأداء زكاتكم والنّصيحة لامامكم وتعلَّموا كتاب اللَّه واصدقوا الحديث عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وأوفوا بالعهد إذا عاهدتم وأدّوا الأمانات إذا ائتمنتم وارغبوا في ثواب اللَّه وارهبوا عذابه واعملوا الخير تجزوا خيرا يوم يفوز بالخير من قدم الخير .
أقول : هذه الخطبة المنقولة من الدينوري مذكورة في النهج ( الخطبة 28 ) ونقلها المفيد في الارشاد مبتدأة من قوله عليه السّلام واعلموا أنّ الدنيا قد أدبرت ولم يبيّنا بأنّ الخطبة خطبها عليه السّلام لما تمت البيعة له عليه السّلام كما صرّح به الدينوري مع أنّ بين النسخ اختلافا سيما بين ما في الإمامة والسياسة وبين ما في النهج والإرشاد .
ولا يخفى أنّ ظاهر كلام الدينوري أنّ ما نقله هو أوّل خطبة خطبها بعد تمام البيعة وإن كان يمكن بالدقة أن يستفاد منه عدم كونه أوّل خطبة خطبها في خلافته عليه السّلام لكنه خلاف الظاهر من عبارته .
ثمّ إنّ المفيد قدّس سرّه قال في الجمل ( ص 77 طبع النجف ) : قوله عليه السّلام في أوّل خطبة خطبها بعد قتل عثمان وبيعة النّاس له : قد مضت أمور كنتم فيها غير محمودى الرأي أما لو أشاء لقلت ولكن عفى اللَّه عما سلف سبق الرجلان وقام الثالث كالغراب همته بطنه وفرجه يا ويله لو قصّ جناحه وقطع رأسه لكان خيرا له حتّى
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 359
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٥٩