واعلم أنه قد شاع بين الصّوفيّة نوعان من الذّكر وكلاهما بدعة وهم يزعمون أنّهما من أفضل العبادات ويصرفون أوقاتهم فيهما ويضلَّون النّاس بالمداومة عليهما الأول الذّكر الجليّ وهو مشتمل على أمور .
الأوّل أنّ هذا النوع من العبادة لم يتلقّ من الشّارع بل الأدلَّة من الآيات والأخبار في كيفيّة الذّكر الجليّ قائمة على خلافه قال سبحانه : * ( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّه ُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) * وقال : * ( وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ ) * ونقل جملة من الأخبار ثمّ قال : الثاني أنّهم يتغنّون فيه ويترنّمون في خلاله بالأشعار والغزليّات العشقيّة بالنغمات الموسيقيّة وهو حرام باجماعنا فضلا عن أعمالهم الشّنيعة الَّتي يظهرونها في أثناء الذّكر من التّصفيق والرّقص ونحوهما ، وقد ذمّ اللَّه كفار المشركين على ذلك .
الثالث أنّهم يأتون بذلك في المساجد مع أنّ إنشاد الأشعار في المساجد مذموم شرعا وقد روى بسند معتبر عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، أنّه قال : من سمعتموه ينشد الشعر في المساجد فقولوا له فضّ اللَّه فاك إنّما نصبت المساجد للقرآن وقد ورد النّهى أيضا من رفع الصّوت فيها وهم يعملون غالب تلك الأعمال في ليلة الجمعة ويومها مع أنّ إنشاد الشّعر فيهما مكروهة .
ولو قيل لهم : إنّ هذه الأعمال تشريع وبدعة يقولون : يحصل لنا منها قرب معنوي ويسمّونه بالحال ، وساق الكلام فيه إلى أن قال : ولا دليل أعظم وأحكم على كون ذلك كلَّه بدعة أنّه لم ينقل أحد من الشيعي والسّنى والصّوفى وغير الصّوفى أنّ رسول اللَّه والأئمّة عليهم السّلام أو أصحابهم أو رواة أخبارهم وعلماء ملَّتهم كان لهم مطرب يطربهم ويترنّم لهم أو كان لهم حلق الذّكر عقدوها ، أو أمروا أصحابهم بعقدها ، ولو كانت هذه عبادة لها وقع فلم لم يأمروا أصحابهم بها .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 380
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٨٠