أقول ما ذكره « قد » في مطلع القصيدة وذيلها هو الزّهد الحقيقي وروح الفقر وحقيقة العرفان الَّذى حثّ عليه الرّسل والأنبياء وندب إليه الحجج والأولياء ، ولأجله انزال الصّحف والكتب من السّماء فإن كان التّصوّف عبارة عن ذلك فنفسي للمتّصفين به الفداء وأجزل اللَّه لهم الجزاء .
وإن كان عبارة عن التصنّع والتكلف والرّياء والتّصلَّف والتّطريب بالغزليات والاشعار والتّرنّم بمخترعات الأذكار بخفيّها وجليّها آناء الليل وأطراف النّهار ، مثل النّهيق والشّهيق للحمار فويل لمن حاله ذلك من النار ، ثمّ ويل له من سخط القهّار .
ثمّ أقول : للَّه درّ الشهيد فانّه مع كونه من العلماء الأعيان والفقهاء الأركان انظر إلى غاية ارتفاعه في مراتب الذوق والعرفان ، وأخذه لقصب السّبق في مضمار القريض والبيان ، وتدبّر في لطايف نظمه من بديع الأسلوب ومحاسن البلاغة وحسن الانسجام والرّقة والسلاسة والنّظام ، ولعمرى أنّه أرقّ وأروح من نسيم السّحر ، وآخذ لقلوب العارفين من سحر السّاحر إذا سحر ، وأحلى عند أهل الذّوق من الشّهد والشكر .
ومنهم الشيخ الامام والعلم العلَّام وقدوة علماء الاسلام الغائص في بحار المعالي والمعاني المشتهر بالشهيد الثاني زين الدّين ابن عليّ بن أحمد بن محمّد بن عليّ العاملي الشّامي أفاض اللَّه على تربته سجال رحمته ، وأسكنه في بحبوحة جنّته قال في محكي كلامه من شرح رسالته الَّتي كتبها في علم دراية الحديث عند ذكر أصناف الواصفين « الواضعين ظ » للأحاديث الكاذبة : وأعظمهم ضررا من انتسب منهم إلى الزّهد والصّلاح بغير علم فاحتسب بوضعه أي زعم أنّه وضعه حسبة للَّه وتقرّبا اليه ليجذب بها قلوب النّاس إلى اللَّه بالتّرهيب والتّرغيب ، فقبل النّاس موضوعاتهم ثقة منهم بهم ، وركونا إليهم لظاهر حالهم بالصّلاح والزّهد ، ويظهر لك ذلك من أحوال النّاس الَّتي وضعها هؤلاء في الوعظ
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 367
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٦٧