وإذا بطل هذا المذهب ثبت الأول .
وقال أيضا في كتاب نهج الحقّ : إنّ اللَّه لا يتّحد بغيره ، والضرورة قاضية ببطلان الاتحاد ، فإنه لا يعقل صيرورة الشيئين شيئا واحدا ، وخالف في ذلك جماعة من الصوفية من الجمهور ، فحكموا أنّ اللَّه تعالى يتّحد بأبدان العارفين حتى تمادى بعضهم وقال : انه تعالى نفس الوجود ، فكلّ موجود هو اللَّه تعالى ، وهذا عين الكفر والالحاد ، الحمد للَّه الذي فضلنا باتباع أهل البيت عليهم السّلام دون أهل الأهواء الباطلة .
ثمّ قال رضى اللَّه عنه : وانه تعالى لا يحلّ في غيره لأنه من المعلوم القطعي أنّ الحالّ مفتقر إلى المحلّ ، والضرورة قاضية بأنّ كلّ مفتقر إلى الغير ممكن ، فلو كان اللَّه تعالى حالَّا في غيره لزم امكانه فلا يكون واجبا هذا خلف .
وخالفت الصوفية من الجمهور في ذلك ، وجوّزوا عليه الحلول في أبدان العارفين تعالى اللَّه عن ذلك علوّا كبيرا .
فانظر إلى هؤلاء المشايخ الَّذين يتبرّكون بمشاهدهم كيف اعتقادهم في ربّهم وتجويزهم عليه تارة الحلول وأخرى الاتحاد ، وعبادتهم الرّقص والتصفيق والغناء ، وقد عاب اللَّه تعالى على أهل الجاهلية الكفار في ذلك فقال عزّ من قائل : * ( وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً ) * أي تغفيل أبلغ من تغفيل من يتبرّك بمن يتعبّد اللَّه بما عاب به الكفار ، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور .
ومنهم الشيخ السعيد والقطب المجيد الفقيه المتبحّر الأكمل المعروف بالشهيد الأوّل شمس الملة والدّين أبو عبد اللَّه محمّد بن جمال الدّين المكي رفع اللَّه درجته كما شرف خاتمته ، في الدّروس في كتاب الوقف منه في بيان مصارف الوقف : والصوفية المشتغلون بالعبادة والمعرضون عن الدّنيا والأقرب اشتراط الفقر والعدالة فيهم لتحقّق المعني المقتضية للفضيلة وأولى منه اشتراط أن لا يخرجوا عن الشريعة المحقّة ، وفي اشتراط ترك الحرفة تردّد ، ويحتمل استثناء التوريق والخياطة وما يمكن فعلها في الرّباط ، ولا يشترط سكنى الرّباط ولا لبس الخرقة من الشيخ ولا زىّ مخصوص ، انتهى .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 365
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٦٥