النّاطقة بها أسهل من اتّصالها بالأرواح السّماويّة ، لشدّة المشابهة والمشاكلة وإن كان التأثير مع الاتّصال بتلك الأرواح أعظم بل هو كالقطرة بالنّسبة إلى البحر ، وقد قالوا : إنّ الاتّصال بها يحصل بأعمال سهلة قليلة من الرّقي والدّخن والتجريد ، وهذا النّوع هو المسمّى بالعزائم وعمل تسخير الجنّ ، انتهى .
أقول : وهذا كلَّه من فروعات علم السّيميا الَّذى قيل في تعريفه : هو علم بأمور يتمكَّن به الانسان من إظهار ما هو مخالف للعادة أو منع ما هو موافق للعادة ، بعضه متعلَّق بالطَّلسمات ، وبعضه بدعوة الكواكب وتسخير السيارات ، وبعضه بتسخير الوحوش والطيور ، وبعضه بالتعظيم والتنجيم واستخدام الجنّ والانس والشّياطين بأعمال وشرايط مقرّرة عند أهل هذا الفنّ وهو علم طويل عريض عميق والوصول إليه والقيام بشرايطه في غاية الصعوبة وعجايبه لا تحصى .
فقد نقل عن بعض التفاسير أنّ سبب تمرّد نمرود اللَّعين عن طاعة اللَّه تعالى أنّ الحكماء قد عملوا في مقرّ سلطنته أرض بابل طلسمات ستّة تحار فيها العقول : أوّلها بطة من نحاس إذا دخل في البلد سارق أو جاسوس كانت هذه البطَّة تصوّت بأعلى صوت يسمعه كلّ من بالبلد ، ويعرفون علَّة تصويته فيطلبون الداخل ويدركونه .
الثاني طبل إذا ضلَّل أحدهم شيئا يجيء إلى ذلك الطبل ويضربه بعود فيخرج منه صوت ويعرّفه مكان الضّالة .
الثالث مرآة كلّ من كان أهل البلد له غايب لا يعرف خبره وأراد أن يطلع عليه جاء إلى هذه المرآة فينظر فيها ويشاهد فيها الغايب بحالته الَّتي هو عليها والعمل الَّذى هو مشتغل به وبالمكان الَّذى هو فيه .
الرّابع حوض كان نمرود في كلّ سنة يجلس يوما عنده للعيش ويجتمع إليه بطانته من الامراء والوزراء والأشراف ، ويأتي كلّ منهم بأشربة مختلفة ويصبّونها جميعا في الحوض ، فإذا امتلاء أمر نمرود سقايته فيسقونهم منه ويشرب كلّ
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 358
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٥٨