منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 323
صرت هذا الحقير فأجاب وقال : لمّا لم يكن قوّة صيرورة نفسك إيّاى صيّرت نفسي إيّاك لتصير إيّاى . ثمّ بعد ذلك كان اللَّه تعالى أظهر لهذا الحقير أنّ الشيخ قد جلس في باطن هذا الحقير مرّبعا كما رأى ظاهرا أوّلا ، وكلَّما ذكر اللَّه تعالى ذكر الشيخ أيضا في باطنه ، فإذا شرع في ابتداء الذّكر يقول الشيخ في باطنه : اذكر فانّك حسن الذّكر . فلمّا استقرّ بفضل اللَّه تعالى سرّ الشيخ في باطن هذا الحقير تواترت عليه الالهامات الرّبانية الرّوحانية ساعة فساعة ، فلو حصل اذن الحقّ سبحانه وتعالى إلهاما بذكر الالهامات كلَّها وتحقيق كونها ليست من الالهامات الرّوحانية والملكية وغيرها بل هي ربّانيّة حقّا لأمتثل انشاء اللَّه تعالى . الواقعة الثانية كان هذا الحقير في أثناء الذّكر ليلة والشيخ في باطنه متمكَّن إذا رأى كأنّه تولَّد من باطنه من جانبه الأيسر ممّا يلي القلب جرو ( 1 ) ( 1 ) - الجرو بتثليث الجيم صغير كلّ شيء وغلب على ولد الكلب والأسد ، والعجب أنّ النسخة في جميع المقامات بالدّال . المصحح . كلب أبيض أذناه سود وفي ظهره عند ذنبه سواد وكان تارة يقعد وتارة ينام ولا يقرّ قلقا من ذكر هذا الحقير . فحصل لهذا الحقير من ذلك خوف فالتجأ إلى الحضرة الإلهية واستمدّ من باطن الشيخ خفارة ( 2 ) ( 2 ) - الخفارة شدة الحياء وخفره وبه وعليه خفرا اجاره ومنعه وآمنه والخفر المجار والمجير وتخفّر اشتدّ حياؤه وبه التجأ وسأله ان يكون له خفيرا ، ق . الالتجاء ، لأنّ كلّ دعاء والتجاء لا خفارة له لا وصول له إلى الحضرة ، ولذلك صار الاخلاص خفير جميع العبادات قال اللَّه تعالى : * ( وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَه ُ الدِّينَ ) * ولمّا لم يجد للالتجاء به اخلاصا استمدّ بالعناية الالهيّة من باطن الشيخ خفارة ذلك الالتجاء ، فنظر في الحال إذا الشيخ قد مدّ يده وأخذ ذلك الجرو من باطن هذا الحقير ومضى ، فتبعه الحقير في اثره فرأى في عنق الجرو حبلا أبيض ورأس