تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
قلت : إنّما يقوم الحجج على المنكرين لا على المعترفين ، وعلى أهل الدّعاوى وأصحاب الحظوظ لا على من قال ما لي حقّ ولا حظَّ ، انتهى كلامه هبط مقامه . أقول : ويتوجّه على هذا الجاهل : أوّلا أنّ المخلص للعبوديّة للَّه سبحانه هو من يستنّ بسنّة النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ويسلك مسلكه ويكون له في رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أسوة حسنة ، والرّهبانية والانقطاع عن الخلق والسياحة خلاف سنّته ، وقد قال عليه السّلام : إنّ سياحة امّتى ورهبانيّتهم الجهاد ويأتي انشاء اللَّه أخبار كثيرة في هذا المعنى . وثانيا أنّ الخروج من ملك الحيوان وإرادة الحرّية من جميع الأكوان محال عادة ، وقد خلق اللَّه سبحانه الانسان مدنيّا بالطبع وجعل كلّ فرد منه محتاجا إلى غيره ولو في أقلّ ضروريات العيش ، فكلّ من قام بحاجة غيره وهيّأ أسباب معيشته ورفع عنه الضرورة والحاجة ولو في أقلّ مراتبها التي لا يمكن التّعيش والبقاء بدونه يكون له بقدر ما قام بمحاويجه حقّا عليه وإن كان الحقوق في الحقيقة كلَّها للَّه سبحانه إلَّا أن من لم يشكر الخلايق لم يشكر الخالق . وقد ورد في الحديث : من لم يشكر الناس لم يشكر اللَّه ، فإرادة الحرّية من جميع الأكوان والخروج من ملك الحيوان لا يصدر إلَّا عن سفيه جاهل . ثمّ الحقوق ليست منحصرة في الحقوق الماليّة ، بل للوالد حقّ على الولد وللولد حقّ على الوالد ، وللأرحام حقّ وللجار حقّ وللمعلَّم حقّ وللمتعلَّم حقّ وللاخوان المؤمنين حقّ ، بل لكلّ من أعضائك وجوارحك من قرنك إلى قدمك عليك حقّ كما أشار إليه الأئمة عليهم السّلام في أبواب الحقوق ، فالانقطاع عن الخلق لا يبطل تلك الحقوق ، ثمّ القيام بها من أجل أمره سبحانه وتعالى به من جملة العبادات فلا ينافي العبوديّة والاخلاص كما توهّم . وثالثا أنّ قوله : فانّى لا ألبس الثوب إلَّا عارية لا ملكا عجيب جدّا . إذ لو كان المراد به أنّ للثّوب المملوك حقّا على لابسه دون المستعار فهو