تارك الطلب لا يستجاب له إنّ قوما من أصحاب رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لما نزلت : * ( وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَه ُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْه ُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) * أغلقوا الأبواب وأقبلوا علي العبادة وقالوا : قد كفينا ، فبلغ ذلك النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فأرسل إليهم فقال : ما حملكم على ما صنعتم فقالوا : يا رسول اللَّه تكفّل لنا بأرزاقنا فأقبلنا على العبادة ، فقال : إنّه من فعل ذلك لم يستجب له عليكم بالطلب .
والأخبار في هذا المعنى كثيرة جدّا لا حاجة إليها ، ونعم ما قيل : الزّهد في الدّنيا قصر الأمل لا لبس العبا ، وليس الزّاهد من لا يملك شيئا ولكنّه الذي لا يملكه شيء ، وإنّ الدّراهم مراهم لأنّها تداوى كلّ جريح ويشترى بها الآخرة كما يشترى بها الدّنيا .
إذا عرفت ذلك فاستمع لما نحكيه عليك من عجيب مزخرفات ابن العربي في فتوحاته ، قال في محكى كلامه من الباب التّاسع والعشرين من الفتوحات .
كلّ عبد إلهىّ توجّه لأحد عليه حقّ من المخلوقين فقد نقص من عبوديته للَّه سبحانه بقدر ذلك الحقّ فان ذلك المخلوق يطلبه بحقّه وله عليه سلطان فلا يكون عبدا مخلصا للَّه ، وهذا هو الَّذى يرجّح عند المنقطعين إلى اللَّه انقطاعهم عن الخلق ولزومهم السّياحات ولزومهم البراري والسّواحل والفرار من النّاس والخروج من ملك الحيوان ، فانّهم يريدون الحرّيّة من جميع الأكوان ولقيت منهم جماعة كثيرة في أيّام سياحتى .
ومن الزّمان الَّذى حصل لي هذا المقام ما ملكت حيوانا أصلا ولا الثّوب الَّذى ألبسه فانّى لا ألبسه إلَّا عارية لشخص معيّن أذن لي في التّصرف فيه ، والزّمان الذي أتملَّك الشيء فيه أخرج عنه ذلك الوقت إمّا بالهبة أو بالعتق إن كان ممّا يعتق .
وهذا حصل لي لمّا أراد التحقّق بعبوديّة الاختصاص للَّه .
قيل لي : لا يصحّ ذلك حتّى لا يقوم لأحد عليك حجّة .
قلت : لا واللَّه ولا للَّه إنشاء اللَّه .
قيل لي : وكيف يصحّ أن لا يقوم للَّه عليك حجّة
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 318
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣١٨