بلى واللَّه ، فقال لي : إذا أرسلت أحد العبيد فاركب معه ولا تؤخّر ولا يخرج معك أحد قلت : نعم .
فلما كان بعد أيام تغيّمت السماء في يوم من أيّام الشتاء وإذا عبده قد أقبل فقال : يقول اركب للوعد ، فبادرت بالرّكوب معه وقلت أين ركب مولاك قال : إلى الصحراء ، ولم يخرج معه أحد غيرى واشتدّ وقع المطر فقال : بادربنا حتّى نستكنّ معه من هذا المطر فانّه ينتظرنا بأعلى تلّ لا يصيبه فيه المطر ، قلت : وكيف عمل قال : أقبل ينظر إلى السماء أوّل ما بدء السحاب الأسود وهو يتكلَّم بما لا أفهم ثمّ أخذ السّوط فأدار به في موضع ستنظر اليه من التّل وهو يهمهم والمطر ممّا يليه ولا قطرة منه عليه .
فبادرت معه حتّى نظرت اليه وإذا هو على تلّ على نصف فرسخ من البلد فأتيته وإذا هو قائم ما عليه من ذلك المطر قطرة واحدة وقد خضت في الماء إلى ركبتي الدّابّة والمطر في أشدّ ما يكون ، ونظرت إلى مأتي ذراع في مثلها من ذلك التّل يابس ما فيه ندى ولا قطرة مطر ، فسلمت عليه فردّ علىّ فقال لي : أترى قلت : ابسط يدك فاني اشهد أنّك رسول اللَّه ، فبسط يده فبايعته بيعة الاقرار بنبوّته .
ثمّ قال لي : ما قال هذا الخبيث لما دعى بك يعني عبده فشرحت له ما قال لي في الطريق لما استخبرته ، فقتل العبد وقال وقد جاوز حدّ الإساءة : أيّ محلّ ارتقي أيّ عظيم اتّقى .
وكلّ ما قد خلق اللَّه وما لم يخلق
محتقر في همّتي كشعرة في مفرقي
وأخذت بيعته لأهلي ، ثمّ صحّ بعد ذلك أنّ البيعة قد عمّت كلّ مدينة بالشّام ، وذلك بأصغر حيلة تعلَّمها من بعض العرب وهي صدحة المطر يصرفه بها عن أيّ مكان أحبّ بعد أن يحوى عليه بعصا وينفث بالصّدقة الَّتي لهم ورأيت لهم كثيرا منهم بالسّكون وحضرموت والسّاسك من اليمن يفعلون هذا ولا يتعاظمونه حتّى أنّ أحدهم يصدح عن غنمه وابله وبقره وعن القرية من القرى ، فلا يصيبها من المطر قطرة ويكون المطر ممّا يلي الصّدقة ، وهو ضرب من السحر ،