قد صعد في الهواء وناجته الملائكة ويظنّ صحّة ذلك حتّى أنّه ربما اعتقد في نفسه النّبوّة وأنّ الوحي يأتيه من السّماء وما أشبه ذلك .
والجهة الثالثة ألطاف من اللَّه عزّ وجلّ لبعض خلقه من تنبيه وتبشير واعذار وانذار ، فيلقي في روعه ما ينتج له تخيلات أمور تدعوه إلى الطاعة والشكر على النعمة وتزجره عن المعصية وتخوّفه الآخرة ويحصل له بها مصلحة وزيادة فايدة وفكر يحدث له معرفة .
والجهة الرّابعة أسباب تأتي من الشيطان ووسوسته يفعلها الانسان يذكَّره بها أمورا تحزنه وأسبابا تغمّه وتطمعه فيما لا يناله أو تدعوه على ارتكاب محظور يكون فيه عطبه ، أو تخيّل شبهة في دينه يكون منها هلاكه ، وذلك مختصّ بمن عدم التوفيق لعصيانه وكثرة تفريطه في طاعات اللَّه ، ولن ينجو من باطل المنامات وأحلامها إلَّا الأنبياء والأئمة صلوات اللَّه عليهم ومن رسخ في العلم من الصالحين .
وقد كان شيخي رضي اللَّه عنه قال لي : كلّ من كثر علمه واتّسع قلَّة مناماته فان رأى مع ذلك منامات وكان جسمه من العوارض سليما فلا يكون منامه إلَّا حقّا ، ويريد بسلامة الجسم عدم الأمراض المهيّجة للطَّباع وغلبة بعضها على ما تقدّم به البيان ، والسّكران أيضا لا يصحّ له منام وكذلك الممتلي من الطعام لأنّه كالسّكران .
ولذلك قيل : إنّ المنامات قلّ ما يصحّ في ليالي شهر رمضان ، فأمّا منامات الأنبياء فلا يكون إلَّا صادقة وهى وحى في الحقيقة ومنامات الأئمة جارية مجرى الوحي وإن لم تسمّ وحيا ولا تكون قطَّ إلَّا حقّا وصدقا وإذا صحّ منام المؤمن لأنّه من قبل اللَّه كما ذكرناه .
وقد جاء في الحديث عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم انّه قال : رؤياء المؤمن جزء من سبعة وسبعين جزء من النّبوة .
وروى عنه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أنّه قال : رؤيا المؤمن تجرى مجرى كلام تكلَّم به الرّب عنده فأمّا وسوسة شياطين الجنّ فقد ورد السّمع بذكرها ، قال اللَّه تعالى : * ( مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ) * وقال : * ( وَلا تَأْكُلُوا
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 311
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣١١