لما لا يطاق .
واعلم أنه لما سرت سيرة الصوفية إلى الامامية كان في أوّل الأمر من يفرّق بين القشر واللباب والذّهب والتراب ، فكان من يميل إلى طرف من مقالتهم يختار منه اللباب ويترك القشر إذا كان اللباب حسنا إما مأخوذا من كلام الأنبياء والأوصياء أو من يحذو حذوهم من العلماء والأتقياء ، فإنهم كانوا يدخلون مثل ذلك في كتبهم ومؤلفاتهم ليحسن الظنّ بهم لكونه مثل كلام أمير المؤمنين ونحوه .
ثمّ بعد ذلك يترقّون إلى تأويله تدريجا بما يوافق مطالبهم ويناسب ماربهم ، وكان من يختار وينتخب ما ذكر بجعله وسيلة إلى تطهير النفس وتزكيتها وابعادها عن الرّذائل ، ومع ذلك فالمطلب الأسنى عنده والخلَّة الحسنى لديه سلوك طريق الشرع وإنفاد العمر فيه كما يراه من عرف حال مثل جدّى الشهيد الثاني وغيره من علماء الفرقة المحقة .
ثمّ تلاشي الأمر ووصل إلى ارتكاب ما سلكوه والاعتماد على ما قالوه ولو بسماع بعضه من غير تميز وفرق إلى أن وصل الأمر إلى التنفّر من الشرع وأهله ودخل تحت هذا الاسم وهو الصوفيّة من يسمّى به ، وينتسب إليه فقط ، فاقتصر المدّعى على ذلك واكتفى المريد به فصار الملحوظ محض الاسم في الغالب وإلَّا فلا مشاحة في التّسمية إذا كان المسمّى مبنيا على أساس صحيح ثابت .
وهذا من مفاسد هذا الاسم المشتمل على ما ذكرناه ، ولو بقي ما هو متعارف سابقا من الزّهد والصّلاح والتّقوى والورع وأمثال ذلك وهو الَّذى كان شايعا بين أهل الايمان وورد به القرآن والأخبار لم يتطرّق إليه هذا الغشّ ولم يترتّب عليه هذه المفاسد الَّتي ترتّبت على لفظ التّصوّف ومعناه .
فدخل الغشّ فيهما والتبس على غير المميّز أمرهما بل على المميّز أيضا إذا لم يعمل بعقله وتميزه ، ومحك الفرق والتّميز الميل إلى جانب الشّرع وأهله والتّنفر منه ومن أهله . وعلامه التنفّر منه التنفّر من أهله وربّما اظهروا التّنفر من أهله متعلَّلين بتقصير يدّعونه فيهم ، وهذه خدعة
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 290
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٩٠