تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
تريدهم الدّنيا فيفرّون منها فرارك من الأسد . وترى هؤلاء يضيّعون العمر فيما يلبّسونه لغاية انقياد العوام إليهم ليبلغ ذلك الأكابر والحكام ويشيع خبرهم فيصلون بهم وبخدمتهم ويجعلون ذلك وسيلة إلى التقرّب إليهم وجلبا لقلوبهم وسببا إلى التردّد إليهم ، ومع ذلك يتوقّعون منهم ويأخذون منهم الأموال وربّما تعزّز بعضهم بعدم قبول اليسير شركا لوقوع الكثير أو حبّا لثبات الجاه وبقاء الميل إليهم . ولو كان تركهم الدّنيا للَّه وللآخرة لم يكن شيء من ذلك ولعملوا : بقول رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : لا يستكمل العبد الايمان حتّى يكون قلَّة الشيء أحب إليه من كثرته وحتى يكون أن لا يعرف أحبّ إليه من أن يعرف . وبقول الباقر عليه السّلام في وصيّته لجابر : اغتنم من أهل زمانك خمسا : إن حضرت لم تعرف ، وإن غبت لم تفتقد ، وإن شهدت لم تشاور ، وان قلت لم يقبل قولك ، وإن خطبت لم تزوّج الحديث وهو طويل وهذا وأمثاله هو الزّهد والتقوى كما قيل :
هذى المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
ثمّ وصل الأمر إلى أن صار التّصوف غير مشروط بالعلم ولو بعلمهم الذي يدّعونه ، بل بمجرّد تغيير اللَّباس المتعارف عند أكثر النّاس ، وتلبيس الظاهر بذلك وترك الباطن إمّا فارغا ممّا ينبغي أو مملوا ممّا يعلمه اللَّه وصار من زهده وصلاحه بطريق الشّريعة ممقوتا عندهم وما ذاك الَّا أنّه لو سئل لقال قال رسول اللَّه وقال أمير المؤمنين وغيرهما ، وهم يدّعون أنّهم يقولون قال اللَّه من غير واسطة ، وقد يقول بعضهم قال الرّسول ولكن بدعوى مشافهته له وان كان بينهما ألف سنة فما زاد فيلبّس أنّه رآه في صورة المثال وكذلك الأئمة عليهم السّلام وأنّهم يسألونهم عن كلّ ما يريدون ونحو ذلك من الخرافات الَّتي لا تقبلها عقول المجانين . نعم لا يبعد أنّ الشّياطين تترائى لهم في صور مختلفة أو أنّه يحصل لهم خبط وتغيّر مزاج بحيث يرون ما يوهم مثل ما يدّعون وقد ينضمّ إلى ذلك استعمال بعض المغيّرات للمزاج الباعثة على مثل ذلك