تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
الصورة الظاهرة ولا رفض الأعمال البدنية لأنه المقتدى به والمتبوع اثره فصلاته وعباداته لا للتوصّل والتقرّب بها ، لأنه في الحقيقة واصل قريب بل هو الأقرب الذي ليس وراء قربه قرب ولا بعد وصوله وصول ، بل لتقتدى به العامة ويتوصّل باثاره وأطواره الخاصة ، وأما أنا فلا حاجة لي إلى هذه الصورة لانقطاعي عنها بمشاهدة الحقائق . فسحرنى بكلامه وبهر عقلي بزخارف تقريراته حتى غلب عليّ الوهم أنه محقّ أو قريب من التحقيق ، ثمّ أيّدنى اللَّه بمنّه فرجعت إلى نفسي وثاب إليّ عقلي وقلت له في الحال بلا إمهال : ليس بالوصول ينقطع العمل ، ولا لأجله يترك الأوامر الشرعية ، فانّ ذلك وهم شيطانىّ مهلك ، وخيال إبليسىّ مرد ، بل الوصول عند أهل الوصول ترك ملاحظة العمل لا ترك العمل . فسكت وانقطع عن الجواب وبقى ساعة متفكرا ثمّ قال : يا هذا قد أشغلتنى عمّا أنا فيه فلا تكثر علىّ الكلام ولا تعاودنى بشيء من الخطاب . فقم عنّى عجلا ودعني وشغلي فما انقطعت في هذه المفازة إلَّا خوفا من أمثالك . فخرجت عنه وانقطعت حجّته وبان عجزه وعلمت أنّ الوهم المردى هو الَّذي أهلكه ، فعلم أنّ انقطاع حجج الإباحية إنّما يكون بملاحظة هذا السّر فلا تغفل عن تدبّره ، انتهى . أقول يا أهل البصيرة والبصر وأولى الإربة والفكر انظروا بنظر الدّقة والعبر إلى عقيدة هذا الصوفي الذي عن الخلق اعتزل ، وبزعمه إلى مقام الزّلفى وصل ، والحال أنّه تاه وضلّ ، وهو بمعزل عن الحقّ عزّ وجلّ ، فليكفك من العيان السّماع ، ومن الغيب الخبر ، فقس على اعتقاده عقيدة من مضى منهم ومن غبر ، تعرف بذلك أنّ من دان بهذه العقيدة كالأنعام ، بل أضلّ سبيلا ، فلعن اللَّه المتديّن بها بكرة وأصيلا ، وعذّبهم عذابا أليما وبيلا . والعجب من ابن أبي الجمهور كيف سلَّم لهذا الجاهل هذه التّرهات ، ولم يردعه من تلك السقطات ، ولم يكفّره في أوّل الأمر ولم يقل إنّ دعواك الوصول