تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
والمقصود من الوصول ترك ملاحظة العمل لا ترك العمل فتدبّره فانّه به تمّ هذا الموضع ، وما أحسنه من سرّ لا يطَّلع عليه إلَّا بفكرة صادقة . وبه ينحلّ ما يرد من الشّكوك من جماعة الاباحيّة كما قد وقع لي مع بعض الاباحيّة من المباحثة فأجبته بهذا الجواب فانقطع . وذلك انّه قد ذكر لي وأنا يومئذ مقيم بأرض نجد ببلاد يقال لها الدّرعية إنّ في جبل بها رجلا منقطعا عن النّاس معتزلا بنفسه عن مخالطة أحد من بني نوعه وأنّه في الأصل رجل من أهل اليمن ورد غريبا وانقطع إلى هذا الجبل . فجئت إلى موضعه وسلَّمت عليه فردّ السّلام فرأيت رجلا نبيلا حسن المنطق عليه أثر الصلاح ، فحادثته في فنون العلم فرأيت له ذوقا جيّدا . فقلت له : ما أحسن ما أنت فيه من هذا الانقطاع إلَّا أنّى سمعت أنّك لا تصلَّى الصّلاة الشّرعية بالصّورة الظاهرة الَّتي جاء بها الشرع المحمّدي ، أفلست على ملَّته فقال : بلى ولكن ما أعمل بهذه الصّورة الظاهرة أنّها حجاب للواصل مرتبة الحضور المنقطع عن هذه الصّور المشاهد الحقّاني الذي لم يفارق باب الملك ، أو لا تعلم أنّ الصّلاة مشتقّة من الصّلة وبها يتوصّل المحجوب بالصّور إذ لاحظ بها القرب المعنوي قلت : بلى فقال : فما احتياج الواصل إلى ما به يتوصّل إنّه قد استغنى بالوصول عن الموصل وما يعمل الحاجّ بالرّاحلة إذا وصل إلى مكَّة وتمّ نسكه وقصده المجاورة فانّه حينئذ لغنيّ عنها فقلت : وأنت من أهل الوصول والاتصال بحضرة ذي الجلال فقال : نعم . فقلت : على تقدير تسليم وصولك فهل وصولك أتمّ من وصول نبيّك محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وهل اتّصالك أعلى من اتّصاله