فقال : حاشا وكلَّا بل الواصل الحقيقي هو لا غيره وبه يتّصل الكلّ وجميع الخاصّة وخاصّة الخاصّة عنه أخذوا مراتبهم ومقاماتهم في النشأتين .
فقلت : فكيف هو مع ذلك الوصول التام والاتصال الكامل لم يترك هذه الصور الظاهرة ولا العبادات الشرعية ، بل كان دايم المواظبة عليها شديد العناية بها .
فقال : إنه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وصل وردّ وأنا وصلت وما رددت .
فعجبت من كلامه وفهمت منه ظاهره وخفى علىّ في بادي الحال باطنه ، فقلت : إذا يلزمك أن تكون أفضل منه إذ لا يشكّ كل عاقل أنّ غير المردود أفضل من المردود .
فضحك عن تهافت فهمي عن إدراك ما أراد من معنى الرّد .
فقال لي : وهذا منك ضمّ جهل إلى جهل .
فقلت له : أبن لي عن مقصودك وافهمني مرادك لأقوم لك بالعذر .
فقال : إنه ردّ إلى تكميل الخلق وايصالهم إلى بارئهم ومنشئهم على الطريقة المرضية لما علم اللَّه فيه من القوّة الملكية والنفس القدسية البالغة في حدّ الكمال إلى مرتبة القدرة على التكميل والارشاد لهذا الخلق والجمع بين الجانبين ، فلا يمنعها الاشتغال بتكميل الخلق عن الحضور بين يديه في أغلب أوقاته وأخذ ما يحتاج إليه الخلق منه ، ولا يمنعها الحضور بين يديه والاشتغال بخدمته عن هداية الأنام وتكميلهم لما فيه من القوّة الجامعة بين الأمرين ، وأنا المسكين لما لم أكن في هذه المرتبة بل ولا قريبا من بعض البعض منها لم أكن من أهل الردّ ولا من المستحقين له ، بل شأني ومنتهى ما تقتضيه قوّتي لزوم باب الملك والحضور بين يديه والتلقي لنفحات وارداته ، فأنا في مرتبة قولهم : لو نطق العارف هلك ، فهذا معنى قولي : إنه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وصل وردّ وأنا وصلت وما رددت ، لا كما ذهب إليه وهمك الرّدى وفهمك القاصر .
ثمّ قال : فإذا علمت أنه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم من المردودين لتكميل الخلق وايصالهم إليه بطريق الشريعة والطريقة والحقيقة على مراتبهم لم يحسن منه بل ولم يجز له ترك
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 262
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٦٢