فيما حكيناه عن فصوص ابن العربي من الفصّ العيسوى ، حيث قال هناك في تأويل قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السّلام : * ( إِنْ كُنْتُ قُلْتُه ُ فَقَدْ عَلِمْتَه ُ ) * ، لأنّك أنت القائل في صورتي ومن قال أمرا فقد علم ما قال ، وأنت اللَّسان الَّذى أتكلَّم به كما أخبرنا رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم عن ربّه في الخبر الإلهي ، فقال : كنت لسانه الَّذي يتكلَّم به فجعل هويته عين لسان المتكلَّم ، ونسب الكلام إلى عبده ، وقد صرّح بمثل ذلك في غير موضع من الفصوص ، وتكرّر في كلامه وكلام غيره أن لا فاعل إلَّا هو .
وقال شيخهم الشّيخ محمود الشّبسترى في كتاب گلشن راز :
هر آن كس را كه مذهب غير جبر است
نبي فرمود كو مانند گبر است
أقول : لمّا كان مذهبه الجبر فسّر الخبر المروىّ عن النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وهو قوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : القدريّة مجوس هذه الأمة ، بما فسّر ولا يخفى أنّ الجبريّة يقولون إنّ القدريّة هم المفوّضة لانكارهم قضاء اللَّه وقدره في أفعال العباد ، والمفوّضة يقولون إنّ القدريّة هم الجبرية لقولهم بالقضاء الحتم والقدر اللَّازم في أفعال العباد والذي يستفاد من عدّة أحاديث أنّهم المفوّضة ، ويستفاد من بعض الأخبار أنّهم الجبرية ، وهو المستفاد من كلام أمير المؤمنين عليه السّلام الذي يأتي ذكره في شرح أوائل باب الحكم عند شرح قوله ومن كلام له عليه السّلام لما سأله سائل : أكان مسيرنا إلى الشام بقضاء من اللَّه وقدره آه ، فانّا إن ساعدنا التّوفيق انشاء اللَّه نروى هناك من الكافي وغيره عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه قال بعد إبطال الجبر : تلك مقالة إخوان عبدة الأوثان وخصماء الرّحمن وحزب الشيطان وقدريّة هذه الأمة ومجوسها .
قال بعض الأفاضل : والجمع بين الأحاديث يقتضى أن يكون الجبرية والمفوضة كلَّهم قدرية ومجوس هذه الأمة ، والمؤمن المحقّ من قال بالأمر بين الأمرين .
والحاصل أنّ الصوفية متّحدون مع الأشاعرة في القول بالجبر إلَّا أنّ مشربهم فيه مختلف ، فانّ مسلك كلّ من الطائفتين يخالف مسلك الاخر في ذلك .