الأمر على ما زعمت لم صرت رجيما واستوجبت اللَّعن والطرد والابعاد ولم انتزعت منك كسوة الملكية وتلبست بلباس الشيطنة قال إبليس : كلّ من هذين الوصفين لباس العارية لا مدخليّة لهما في اتّحاد الذّات والتغيّر في الصّفات بالغة ما بلغت لا يوجب التّغيّر في الذات والذّات باقية بحالها في جميع الصّور المتبدّلة وعشقه لازم لذاتي وكان عشقى غير ممحّض وأمرى دائرا بين الخوف والرّجا حتّى إذ أبيت السّجود تمحّضت في مقام التوحيد وعبوديّة المعبود ، فلم يبق فرق بالنّسبة إلىّ بين القهر والرّحمة ولا بين الجحيم والجنّة .
أقول : الظاهر أنّ راوي هذه المناظرة هو نفس إبليس اللَّعين رواها لأوليائه المتصوّفين وأثبت فيه غلبته على موسى عليه السّلام وتسليم موسى عليه السّلام له كما قال تعالى : * ( وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ) * . . . * ( وَلِتَصْغى إِلَيْه ِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْه ُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ ) * .
ويظهر من ولعهم بروايته ونظمهم له في أشعارهم ابتهاجهم بتلك المحاجّة وامتنانهم من إبليس ، لكونه صوفيّ المذاق ، بل يظهر من ذلك أنّ أصل المؤسس لمذهبهم هو إبليس حيث أسّس الأصل في مسألة وحدة الوجود فأوحى بذلك إلى أوليائه الملحدين فأطاعوه واتّخذوه لهم دينا وجعلوا أنفسهم للشيطان قرينا فساء قرينا ، لعن اللَّه الضّالين والمضلَّين والهادين والمهديّين والمرادين والمريدين وعذّبهم عذابا أليما .
ومنها قولهم بالجبر
كالأشاعرة : وهو لازم القول بوحدة الوجود ، فانّ الخلق إذا كان عين الحقّ وكان سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله وجميع جوارحه على زعمهم حسبما عرفت فيما تقدّم فيكون جميع ما يصدر منه مستندا إليه تعالى كما تقدّم التّصريح بذلك
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 257
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٥٧