تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
المستفيضة بل المتواترة إلَّا الملاعبة بالدّين والتكذيب للأنبياء والمرسلين . وأعظم من ذلك جرئتهم على تأويل الآيات الواردة في النقمة والعقاب للكفار وأهل العذاب بالرّحمة والثواب ، مثل ما تمحّله ابن العربي في الفصّ الهودى في الآيات الواردة في عاد قوم هود وهي قوله تعالى : * ( فَلَمَّا رَأَوْه ُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِه ِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ . تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ) * ، قال ما لفظه « ألا ترى عادا قوم هود كيف قالوا هذا عارض ممطرنا فظنّوا خيرا باللَّه » قال القيصري : أي ألا ترى أن قوم هود كيف قالوا لما تجلَّى عليهم الحقّ في صورة السحاب ان هذا عارض أي سحاب ممطرنا وينفعنا فظنوا أنّ اللَّه تجلَّى لهم بالحقّ والرّحمة « وهو عند ظنّ عبده به فاضرب لهم الحقّ عن هذا القول فأخبرهم بما هو أتمّ وأعلى في القرب » أي أضرب بقوله بل هو ما استعجلتم به أي هو مطلوبكم الَّذى يوصلكم إلى كمالكم ويعطيكم الخلاص من انيّاتكم ويخرجكم من عالم التّضاد والظَّلمة إلى عالم الوفاق والرّحمة . وانّما كان هذا المعنى أتمّ وأعلى « فانّه إذا أمطرهم فذلك حظَّ الأرض وسقى الحبّة » المزروعة فيها « فما يصلون إلى نتيجة ذلك المطر إلَّا عن بعد لأنّ المطر إذا سقى الحبّة المزروعة لا بدّ ان يمضى عليها زمان طويل ومدّة كثيرة حتّى تحصل نتيجته ويحصل منها الغذاء الجسماني وهو من حظوظ أنفسهم المبعّدة لهم عن الحقّ وهذا الاهلاك يوصلهم في الحال إلى ربّهم ويقرّبهم منه فقال لهم بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب » وانّما كان استعجالهم في وصولهم إلى كمالهم وقربهم من غاية مرتبتهم . ولمّا كان هذا المطلوب لا يمكن إلَّا بفنائهم في الحقّ أهلكهم اللَّه عن أنفسهم وأفناهم عن هياكلهم وهى أبدانهم الجسمانية الحاجبة لهم عن إدراك الحقائق « فجعل » أي الحقّ « الرّيح إشارة إلى ما فيها من الرّاحة فانّ بهذا الرّيح أراحهم من هذه الهياكل المظلمة والمسالك الوعرة وفي هذه الرّيح عذاب أي أمر يستعذبونه