تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
إذا ذا قوه إلَّا أنّه يوجعهم لفرقة المألوفات » أي الرّيح المهلكة وإن كانت في الظاهر مؤلمة موجعة لهم لاخراجهم عن العالم الجسماني المتألَّفة قلوبهم به لكن فيها لطف مستور ، لأنّ في كلّ قهر للَّه تعالى ألطافا خفيّة يستعذبونه إذا وصلوا إليه عقيب الوجع « فباشرهم العذاب » أي أهلكهم « فكان الأمر إليهم أقرب ممّا تخيّلوه » أي الأمر الذي كان مطلوبهم بالحقيقة كان أقرب إليهم من المطلوب المتخيّل لهم وهو ما يحصل من المزروعات « فدمّرت كلّ شيء بأمر ربّها فأصبحوا لا يرى إلَّا مساكنهم أي جثثهم الَّتى عمرتها أرواحهم الحقية » . ومحصل كلامهما أنّ قوم هود عليه السّلام مع العتوّ والكفر والانكار لم يكونوا من المعذّبين بل صاروا بذلك من المقرّبين المنعمين وأوصلهم الكفر والضّلال إلى درجة الفضل والكمال ، واستحقّوا بالجحود عظيم الزّلفي وحسن المال . والآيات وإن كانت ظاهرة في الاهلاك والتعذيب لكن الظَّواهر غير مرادة بل المراد معنى آخر يعرفه أهل الكشف والشّهود لا أهل الحجاب . وهو أنّ الرّيح في الآية مأخوذة من الرّوح والرّاحة والعذاب من العذوبة والحلاوة والغرض من إهلاكهم بالرّيح التعجيل في إراحتهم من العلايق البدنية وإخراجهم من الهياكل الجسمانية وايصالهم إلى مرتبة القرب والزلفي والبقاء بالفناء ، وقد أعطاهم اللَّه خيرا ممّا يرجون وأفضل ممّا يأملون ، فانّهم لمّا رأوه عارضا ممطرا حسبوا أنّه ينزل منه المطر ينتفع به ويسقى به الحرث والزّرع فقال تعالى : * ( بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ ) * ، أي ليس هذا ما ذهبت إليه ظنونكم بل هو خير منه ، فانّ العارض الممطر فيه منفعة مؤجّلة دنيويّة ، وفي الرّيح منفعة معجّلة أخروية والأولى قليلة فانية والأخرى كثيرة باقية هذا حاصل مراد هذين الملحدين . أقول يا أهل المروّة والانصاف المجانبين للهوى والاعتساف أنشدكم باللَّه العظيم هل يرتضى ذو شعور أن يكون مراده تعالى من تلك الآيات ما قاله هذا الجاهل الزّنيم .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 244 | حبيب الله الهاشمي الخوئي / سيد إبراهيم الميانجي