ومحبوبا إليه ، فيفاض عليه التّوفيقات الرّبانيّة ويحيط به الألطاف الالهيّة فلا يشاء إلَّا أن يشاء اللَّه ، ولا يصرف حواسه ومشاعره إلَّا بما فيه رضا مولاه ، وبإزاء ذلك من انهمك في الشّهوات وغمر في بحر السّيئات والخطيئات فيحيط به الخذلان ويكون قلبه عشّ الشّيطان فلا يصرف مشاعره وقواه إلَّا بما فيه رضاه فيشركه في سلطانه وينطق بالباطل على لسانه .
والحاصل أنّ مساق هذه الرّواية في حقّ عباد اللَّه المقرّبين مساق قول أمير المؤمنين عليه السّلام في حقّ عبيد الشّيطان المبعدين حيث قال في المختار السّابع : اتّخذوا الشّيطان لأمرهم ملاكأ واتّخذهم له أشراكا فباض وفرّخ في صدورهم ودبّ ودرج في حجورهم فنظر بأعينهم ونطق بألسنتهم فركَّب بهم الزّلل وزيّن لهم الخطل فعل من قد شرّكه الشيطان في سلطانه ونطق بالباطل على لسانه .
فكما أنّ المراد بهذا الكلام المجاز والاستعارة قطعا لا الحقيقة ، فكذلك الحديث المذكور كما هو غير خفىّ على ذوى البصائر إلَّا أنّ من لم يجعل اللَّه له نورا فما له من نور ، هذا .
وممّا وقع التصريح فيه أيضا في كلام ابن العربي بأنّ الحقّ مستور في الخلق والخلق ساتر له ما صريح عبارته في الفصّ العيسوى ، فانّه بعد ما ذكر كيفية إحياء عيسى عليه السّلام للموتى ومشاهدة القوم ذلك منه وتحيّرهم فيه في إحيائه لكونه من الخصائص الالهيّة قال : « فأدّى بعضهم إلى القول بالحلول وانه هو اللَّه بما أحيى به من الموتى ولذلك نسبوا إلى الكفر وهو السّتر لأنّهم ستروا اللَّه الَّذى أحيى الموتى بصورة بشريّة عيسى » قال القيصري : أي فأدّى نظر بعضهم فيه إلى القول بالحلول فقال : إنّ اللَّه حلّ في صورة عيسى فأحيى الموتى ، وقال بعضهم : إنّ المسيح هو اللَّه ، ولمّا ستروا اللَّه بالصورة العيسوية المقيّدة فقط نسبوا إلى الكفر .
« فقال اللَّه تعالى * ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ) * فجمعوا بين الخطاء وبين الكفر في تمام الكلام كلَّه » أي جمعوا بين الكفر وهو ستر الحقّ بالصورة
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 184
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٨٤