تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
مستحيل ارادته ، وإن أريد به المجاز على وجه الاستعارة حسبما تمحله القيصري وأشار إليه في قوله : والظَّاهر انّما يغتذى من الباطن لأنّ الفيض عليه لا يحصل إلَّا منه فالباطن غذاء الظاهر إذ به قوامه ووجوده ، فبعد تسليم صحّة هذا التّجوّز والغضّ عن استكراه الذوق السّليم له واستهجانه عنده ، فيه أنّه إنّما يستقيم إذا كان الباطن المستور هو الحقّ لا الخلق ، وإلَّا فيلزم افتقار الحقّ سبحانه وتعالى إلى الخلق في قوامه ووجوده وهو محال كما هو ظاهر . وقد فصّلا غذائية كلّ منهما للاخر في الفصّ اللقمانى قال في المتن :
« إذا شاء الاله يريد رزقا له فالكون أجمعه غذاء » « وإن شاء الاله يريد رزقا لنا فهو الغذاء كما يشاء »
قال الشّارح : أي إذا تعلقت مشيّته بأن يريد له رزقا فالكون بأجمعه غذاء له ، وقد تقدّم أنّ الحقّ من حيث أسمائه وصفاته لا يظهر في الشهادة إلَّا بأعيان الأكوان ، وإن كان من حيث ذاته مع قطع النظر عن الظهور والبطون والأسماء والصّفات غنيّا عن العالمين ، فالأعيان غذاء له من حيث إظهارها إيّاه ومن حيث فنائها واختفائها فيه ليظهر بوحدته الحقيقيّة كفناء الغذاء وانعدامها واختفائها في المغتذي وإن كان باعتبار آخر هو غذاء للأعيان . وإليه أشار بالبيت الثاني وذلك لأنّ الغذاء هو ما يغتذي في عين المغتذي ويظهر على صورته ليقوم به والهويّة الإلهية هي الَّتي تختفى في أعيان الخلايق وتصير ظاهرة بصورتها مقوّمة لها ، فهي غذاء للأعيان ونسبة الاغتذاء والرّزق إليه مع أنّه يطعم ولا يطعم ونسبة كونه غذاء لنا بعينها كنسبة بعض الصّفات الكونيّة إليه بقوله : من ذا الَّذى يقرض اللَّه قرضا حسنا ، ومرضت فلم تعدنى ، وأمثال ذلك ممّا جاء في الشّرع . وهذه النسبة أيضا من باطن الشّرع فانّ النّبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أعطى الكتاب وأمر باخراجه إلى الخلق فلا ينبغي أن يسئ أحد ظنّه من المؤمنين في حقّ الأولياء والكاملين في أمثال هذه الأشياء ، انتهى .