وأما غيره تعالى من الموجودات الممكنة فإنما يتصف بالوجود المقابل للعدم المناقض له لكونه ذي ماهية مشخّصة لوجوده كما أنّ وجوده كان مشخّصا له فانّ الشيء ما لم يتشخّص لم يوجد وما لم يوجد لم يتشخّص .
وبعد هذا كلَّه فكيف يزعم العاقل اتّحاد وجود المخلوقات الذي هو من البديهيات الأوّليّة على ما قيل مع وجود الخالق الذي إذا حاول الفكر المبرّء من خطرات الوساوس أن يقع عليه في عميقات غيوب ملكوته وتولهت القلوب إليه لتجرى في كيفية صفاته وغمضت مداخل العقول في حيث لا تبلغه الصفات لتنال علم ذاته رجعت إذا جبهت معترفة بأنه لا ينال بجور الاعتساف كنه معرفته ، ولا يخطر ببال أولى الرّويات خاطرة من تقدير جلال عزّته ، فتعالى اللَّه عما يقول الملحدون علوا كبيرا .
وأما الدليل النقلي
فهو جميع الأخبار والأحاديث الدّالة على تقديسه وتنزيهه عن التشبيه والتحديد ، والمفيدة لمغايرته لمخلوقاته ومباينته إياهم بنفس ذاته الأقدس ووجوده الأجلّ الأشرف الأعلى .
وأكثرها احتواء لذلك خطب أمير المؤمنين الواردة في مقام التوحيد المتقدّمة في تضاعيف الكتاب ، ولا بأس بالإشارة إلى بعض ما تقدّم منه عليه السّلام في هذا الباب تذكرة وذكرى وما يذكَّر إلَّا أولو الألباب .
فمنه قوله عليه السّلام : في الفصل السادس من المختار الأوّل :
كائن لا عن حدث ، موجود لا عن عدم ، مع كلّ شيء لا بمقارنة ، وغير كلّ شيء لا بمزايلة .
فانّ قوله عليه السّلام : موجود لا عن عدم نصّ صريح في أنّ وجوده ليس مثل وجود ساير موجودات المسبوق بالعدم المناقض له كما أنّ اثبات مغايرته لكلّ شيء ونفي مقارنته له صريحان في عدم الاتّحاد والوحدة بل قوله : مع كلّ شيء أيضا لا يخلو عن الدّلالة ، لأنّ المعية مقتضية للاثنينية المنافية للوحدة والعينية كما لا يخفى .
ومحصّل الجميع مباينة الحقّ للخلق بذاته وكونه معهم بالعلم والإحاطة
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 170
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٧٠