عن الماهيّة لا يحكم عليهما بحكم لما عرفت من أنّهما تحليليّان لا أمران متغايران ، فالشدّة والضّعف إنّما تعرضان الوجود التحقيقي الواجد للماهيّة ، لا المتسلخ عنها فالماهيّة يشتدّ وجودها المنظَّم إليها وما نسجته هذه الطايفة من أنّ الوجود هو الحقّ وأنّ الماهيات مظاهر ومجالى وأنّ الاختلاف إنّما هو في الدّرجات التجلَّي بحسب القرب والبعد وقلَّة الوسايط وكثرتها ، ممّا ليس له معني محصّل .
وبالجملة فقد تحصّل ممّا ذكرنا كلَّه أنّ وجوده تعالى مغاير لوجود غيره مباين له ، واتّصافه بالوجود ليس كاتّصاف غيره به إذ الوجود الَّذى له تامّ فوق التّمام واتّصافه به بمعني أجلّ وأشرف وأعلى من أن يبلغه العقول والأوهام كما قال أمير المؤمنين عليه السّلام في الفصل الثاني من الخطبة الأولى : الَّذى لا يدركه بعد الهمم ولا يناله غوص الفطن .
بل قد قال بعض المحقّقين : إنّ وصفه تعالى بالوجود من ضيق العبارة ، وإنّ معنى قولنا إنّه موجود إنّه ليس بعدم ولا معدوم فيكون مرجع اتّصافه به إلى سلب العدم عنه لا اثبات الوجود الَّذى هو نقيض العدم له ، فانّه تعالى منزّه عن ذلك ، لأنّ الوجود الذي هو نقيضه حدّ له واقع في طرفه وقباله .
كما يتّضح ذلك بقولنا مثلا خرج الشيء من العدم إلى الوجود ومن الوجود إلى العدم ، فانّ الوجود والعدم متناقضان متقابلان صار كلّ منهما حدّا للاخر وفي قباله وطرفه ، واللَّه سبحانه لما كان منزّها عن الحدود لا يمكن اتّصافه بالوجود الذي هو حدّ العدم وطرفه .
ويوضح ذلك قوله عليه السّلام في المختار المأة والخامس والثمانين : سبق الأوقات كونه والعدم وجوده ، وأيضا الوجود الذي هو نقيض العدم إنما يتصوّر فيما يتصوّر فيه العدم كالماهيات واللَّه عزّ وجلّ منزّه عن الماهيّة وعن عوارضها .
والحاصل أنّ وصفه بالوجود كوصفه بساير أوصاف الجمال مثل قولنا : إنه عالم أي ليس بجاهل ، وقادر أي ليس بعاجز ، وهكذا .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 169
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٦٩