تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
والصوفيّة أولياء الشيطان لمّا ضاق بهم الخناق في إقامة البرهان على مذهبهم الفاسد واعتقادهم الكاسد استندوا إلى الكشف والعيان . قال بعض من له خوض في التّصوف : إنّ مستند الصوفيّة فيما ذهبوا إليه هو الكشف والعيان لا النظر والبرهان ، فانّهم لمّا توجّهوا إلى جناب الحقّ سبحانه بالتّعرية الكاملة وتفريغ القلب بالكليّة عن جميع التّعلَّقات الكونيّة والقوانين العلميّة مع توحيد العزيمة ودوام الجمعيّة والمواظبة على هذه الطريقة بدون فترة ولا تقسيم خاطر ولا تشتّت عزيمة منّ اللَّه سبحانه عليهم بنور كاشف يريهم الأشياء كما هي . وهذا النور يظهر في الباطن عند ظهور طور وراء طور العقل ، ولا تستبعدن وجود ذلك ، فوراء العقل أطوار كثيرة يكاد لا يعرف عددها إلَّا اللَّه . ونسبة العقل إلى ذلك النور كنسبة الوهم إلى العقل ، فكما يمكن أن يحكم العقل بصحّة ما لا يدركه الوهم كوجود موجود مثلا لا خارج العالم ولا داخله ، فكذلك يمكن أن يحكم ذلك النّور الكاشف بصحّة بعض ما لا يدركه العقل ، كوجود حقيقة مطلقة محيطة لا يحصرها التقييد ولا يقيّدها التعيين . مع أنّ وجود حقيقة كذلك ليس من هذا القبيل فانّ كثيرا من الحكماء والمتكلَّمين ذهبوا إلى وجود الكلَّي الطبيعي في الخارج . والمقصود هنا رفع الاستحالة العقلية والاستبعادات العادية عن هذه المسألة لا إثباتها بالبراهين والأدلة ، انتهى . وهو سخيف جدّا لامتناع أن يكون طور وراء العقل إلَّا النّبوة ، ولو جوّز ذلك لبطلت الشرائع والأديان والأحكام النقليّة والعقلية وارتفع الأمان وانسدّ باب الايمان . وليس نتيجة ما ذكر من الرّياضة والمجاهدة إلَّا تلطيف السّر وتهذيب الباطن وتصفية القلب ليسهل النظر ويسرع الفكر ويصفو الذّهن من الكدر ، فيتجرّد المعقولات النظريّة عن الغواشي الوهميّة ويتميّز المعقول عن الموهوم ، وذلك