وأما الثاني فامّا أن يكون سرايته في المخلوقات مع تعيّنه الذي هو له فهو محال ، لأنّه جمع بين النقيضين إذ التعيّن الوجوبي مناف للتعيّن الامكاني ومناقض له ، أو مع إلقائه لتعيّنه الذّاتى وتعيّنه بالتعيّن الامكاني وهو فرع أن يكون متحرّك غير واجب وممكن يكون في تلك المراتب ويكون واجبا تارة وممكنا أخرى وهو باطل .
والحاصل أنّ الواجب إمّا مبهم محض وجامع بين جميع الموجودات كما هو شأن الجامعة السارية ، وهو مستلزم لنفى وجود الصانع تعالى عن ذلك علوّا كبيرا ، وإما أنّه متعيّن بحب ذاته فيستحيل سريانه في الأمور المتعيّنة بالحدود والقيود .
والى ذلك أشار المحقّق الطوسي في شرح الإشارات حيث قال : حقيقة الواجب ليست هي الوجود العام بل هي مجرّد وجوده الخاص به المخالف لساير الموجودات لقيامه بالذّات .
وقال أيضا : الوجود داخل في مفهوم ذات واجب الوجود لا الوجود المشترك الذي لا يوجد إلَّا في العقل بل الوجود الخاص الذي هو المبدأ الأول لجميع الموجودات وإذ ليس له جزء فهو نفس ذاته وهو المراد من قولهم : مهيّته هي إنيّته انتهى .
وقال المعلَّم الثاني في محكيّ كلامه من كتاب الجمع بين الرّايين : إنّه لما كان الباري جلّ جلاله بانيّة ذاته مباينا لجميع ما سواه وذلك له بمعنى أشرف وأفضل وأعلى بحيث لا يناسبه في إنيتّه شيء ولا يشاكله ولا يشبهه حقيقة ولا مجازا ، ثمّ مع ذلك لم يكن بدّ من وصفه واطلاق كلّ لفظة كماليّة من هذه الألفاظ المتواطئة عليه ، فانّ من الواجب الضّرورى أن نعلم أنّ مع كلّ لفظة نقولها في شيء من أوصافه معنى بذاته بعيدا من المعنى الَّذي نتصوّره من تلك اللَّفظة وذلك كما قلناه بمعنى أشرف وأعلى حتّى إذا قلنا إنّه موجود علمنا مع ذلك أنّ وجوده لا كوجود ساير ما دونه ، وإذا قلنا إنّه حىّ علمنا أنّه بمعنى أشرف من الحىّ الذي هو دونه وكذلك الأمر في سايرها ، انتهى .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 159
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٥٩